مساحة للحوار

روايات التهجير الفلسطيني: عبد الله الجمّال: "كنا في الرملة أسعد ناس في العالم"

فيحاء عبد الهادي

2018-07-22

يروي "عبد الله أمين الجمّال"، المهجَّر من الرملة، عام 1948، ويقيم في عمّان، ذكرياته عن مدينته الرملة، وتجربة التهجير القاسية من الرملة إلى نعلين، إلى خان يونس، إلى مخيم البريج، ثم إلى مخيم الحسين في عمّان.
ويتبيّن من روايته وعي الشعب الفلسطيني بالمشروع البريطاني الاستعماري لفلسطين، منذ العام 1917، والذي أتاح للحركة الصهيونية تطهير الفلسطينيين عرقياً.
"هذا تنفيذ لوعد بلفور، الإنجليز أخدت البلاد ووضعتها تحت الانتداب، تحت الحكم العنيف، ونصبت المشانق للمناضلين، كانت تضربهم بالطيران وتقتلهم، كانت تحكم الفلسطيني إذا مسكت معاه رصاصة، تحكمه إعدام، أمّا اليهودي فمعاه سلاح كامل، مهيئين له سلاح كامل، ونشوفهم بالليل يتدرّبوا، ويمرقوا نسوان وزلام يدرّبوهم وسلاح كامل".
وعبر روايته تتبيّن الخطة المبيّتة للاستيلاء على البلاد: "أنا بتزكّر حادثة صارت عنّا بالكرم، نقاش كان بين حياة الوالد ومختار كبّانية بيت شيمين اسمه "مرت خايم" كان يلبس لباس عربي: حطّة وعقال، وقمباز، وييجي يتودّد، ويزور الوالد ويقول: يا "أبو جميل"، ترى أنه هذه البلاد إحنا مَخدينها. يقول له: ما تفشر! كيف بدك توخدها؟ قال له: يعني بإيش بدك تحميها؟ ببارودتك واللا بالفرد تبعك بِدَّك تحميها؟ّ! لمّا تصير المعركة بيننا وبينكم والقوافل تصير تمرّ من جنبكم؛ ما تتحرشِّش فيها، ما تقرّبش، خلّي بيننا حسن جوار، قال له: ما تفشر يالبعيد!".
ورغم معرفة الفلسطينيين بانعدام التكافؤ بينهم وبين القوات الصهيونية، إلا أنهم (الفلسطينيين) دافعوا عن بلادهم بالأسلحة البدائية التي يمتلكونها، وكل ما تطاله أيديهم:
"عوض" (أخوي المهندس) إله قصة طويلة، كان عامل بارودة على إيده، عملها عند الحدّاد، وكان هو وكلهم يطخّوا عليها، كان في عنّا دبّابات، دبابتين عاملينهم صنع يدوي عند الحدّادين. كان دبابة منهم يسوقها عمي اسمه "خميس الجمّال"، هو شفير الدبابة ومعاه من المناضلين، وأبوي كان دايماً على الفرس، عنده فرس أصيل".
قاوم الفلسطينيون القوات الصهيونية بعد انسحاب البريطانيين في 14 أيار 1948، وكبّدوها خسائر فادحة، كما قاوموا الهجوم على مدينتهم، بعد سقوط مدينة اللد يوم 11 تموز، لكن الصهاينة طوّقوا الرملة بعد احتلالهم القرى المحيطة، وهجّروا أهلها. سقطت الرملة يوم 12 تموز 1948.
"لمّا سقطت مدينة اللد ما ضلّش للرّملة منفذ، كانت المقاتلين كلها متجمعة، تتجمع في الرّملة تَعون هالقرى؛ النعاني، وجمزو، وعناّبة، كل هالمقاتلين صاروا يدافعوا عن الرّملة. فلمّا سقطت اللد ما ضلّش مجال انحصر، فهون اللجنة قررت إنها تروح تسلّم مدينة الرّملة بدون إراقة دماء، وإنهم يحافظوا على عالسّكان وإنهم ما يأسروش حد، وما يعملوش عمايل عنيفة مع الأهالي؛ لكنهم نقضوا العهد، مالهمش عهد. فأجوا قتلوا وأخذوا مياّت الأسرى، وجابوا سيارات تحمّل النّاس، وأطلعوا الناس، هجّروهم، وإيش يقولوا لنا: روحوا عند "عبد الله".
*****
عبّر الراوي عن تقديره لدور النساء، حين تحدّث عن جدته ووالدته، حيث كان لهما دور اجتماعي وسياسي متميز:
"كانوا أيام زمان النسوان رجّاليات، آه، كانوا رجّاليات وما يخافوش. كانت حياة إمي "جميلة الحاج حسن المغربي" بالليل تلبس لبس أبوي الله يرحمه، وتركب عالفرس وتطلع، مهو كان مستلم منطارة جميع البيارات والكروم. فهي كانت تحمل البارودة وتطلع، ساعة تطلع هي وساعة تطلع الخدّامة اللي عنّا، التانية كمان رجالية. تلبس أواعيه وتحمل البارودة، ولمّا تنهم نهمتها نهمة رجل".
*****
لا يكفّ الفلسطينيون عن التغني بأيام البلاد، وخير البلاد الوفير، وأيام الطفولة الجميلة، التي لم يعكّر صفوها سوى الإنجليز، والقوات الصهيونية، التي مارست العمليات الإرهابية، واقترفت مجازر مرعبة، بقيت طازجة في الذاكرة، مثل مجزرة سوق الأربعاء:
"والله كانت طفولة حلوة ما فش زيّها، كنا أسعد ناس في العالم. كان إلنا بيت في نفس مدينة الرّملة، نقضّي فيه الشتوية، وبيت تاني في البيارة في الكرم، كنا نقضّي فيه الصيفية، وييجوا عنا بقية العيلة دايماً، عنا ضيافة، كانت هي الكرم تبعنا مركز لتجمع أصحاب المواشي والأغنام يباتوا تحت حماية المرحوم الوالد. فكانوا يقضّوا الليل سهر، ويشربوا قهوة، ويضربوا عالرّبابة، ويمضوا الليل بأحلى الأيام. الكرم بعيد بيجي 3 كيلو عن الرملة، واحنا كنا لما نروّح من دار الكرم عالرّملة بطريقنا كمب اسمه كمب الخرزة، هذا كمب الخرزة فيه الإنجليز، يضووا علينا الكشاف، كنا صغار أنا وإخوتي اللّي أكبر مني، يقولوا لنا: Hold إحنا نقلهم Hold! ما نعرفش إيش معنى الكلمة، يعني وقّف. فكل يوم على هالحال رايحين الصبح بدري ننزل عالبلد يكون في خضرة، يكون في أشياء بدها حياة الوالد يبعتها لتجار الخضرة والفواكه، فنقضّي هاليوم في الرّملة، ونعاود نرجع على الكرم. وبتذكر أنا تمام التمام كمب الطيران، وطريق الكرم، والسوق؛ السوق اللي صارت فيه كمان مجزرة كبيرة، اللي هي مجزرة سوق الأربعا. هذا أجا يهودي يمني حط شنتة فيها متفجرات، حطها عند أحد التجار، قال له: هذه بدي أخليها شوي عندك وراح، وبعد شوي انفجرت وانقتل ناس كتير في السوق، راح ضحايا كتير".
*****
يتحدث الراوي بحسرة عن وصية والده، التي تشي بتمسك الفلسطينيين بحق العودة، مهما طال الزمن:
"كان موصّيني: بوصّيكم وصّية يعني، إعملوا ما باستطاعتكم إنكم تنفذوها، إذا متت إدفنوني في الرّملة، في النبي موسى، بفلسطين، وإذا بتلحقوش كان هذا في الـ 67، قبل الحرب بشهرين تلاتة، إذا بتقدروش زتّوني في الميّ، زتّوني في الشريعة. هديك بلادي وبدي أندفن فيها. بالفعل لمّا توفى دفنّاه في النبي موسى، وصينا عالشواهد، أجوا دخلوا اليهود وما صحِّلناش لا نزوره ولا نحطّ الشواهد، الله يرحمه، بعدها بشهرين تلاتة اليهود خشّت ريحا".

faihaab@gmail.com
www.faihaab.com

 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: