دفاتر الأيام

أنا أعرفها

سما حسن

2018-06-14

منذ ثماني سنوات وتحديداً في العام 2010 لم أعرف عنها خبراً، وقد عرفتها منذ صغري كزميلة أمي في مهنة التعليم ثم معلمتي لسنوات عدة، وبعد وفاة أمي في آذار من ذلك العام الأخير الذي رأيتها فيه جاءت لتعزيتي، وجهها يضج حيوية ونضارة رغم أنها تجاوزت الستين بأعوام قليلة، وظلت تحتضنني لمرات عديدة لكي تواسيني، وقالت لي: اعتبريني من اليوم أمك الثانية، لا تنقطعي عني........
ولأن أمي رحلت فقد قررت ألا أقاطع صديقتها ومعلمتي، وكنت أجد العزاء حين نسترجع الذكريات، وبقيت على تلك الحال لأشهر عديدة حتى سحبتني زحمة الحياة، ولم يعد في حياتي متسع للحياة الاجتماعية واقتصرت حياتي على أولادي فنسيتها ثماني سنوات متتالية.
خلال فترة علاقتي القوية بها التي كانت عبارة عن زيارات ومكالمات، تعرف إليها أولادي وأحبوها، ولست أدري كيف انسحبت تدريجيا من حياتنا، ويبدو أن وحدتها هي السبب فهي سيدة أرملة بلا أولاد يشاركون أولادي هواياتهم مثلاً، أما أنا فربما شعرت بأني يجب أن أكون قوية حتى على الذكريات فابتعدت عنها وأنا أعد نفسي بأن أتفقدها كل حين، وذلك الحين لم يأتِ وتباعدت علاقتنا حتى جاء ذكرها في مجلس جمعني بصديقة دراسة، وتساءلت الصديقة عن حال معلماتنا اللواتي كنا نحبهن كثيراً، ويعاملننا معاملة الأمهات، وهنا صحت: يجب أن أزورها.
طرقت الباب المعدني الضخم الذي تسرب إليه الصدأ من أسفله مراراً حتى جاءني صوتها المعتاد القوي الذي عرفته، وحين أصبحت بالقرب من الباب سألت عن هوية الطارق فأخبرتها عن هويتي فهللت ورحبت ولكن شيئاً في أعماقي جعل الشك يتسرب إلى تلك الأعماق بأن هذه المرأة لم تعد كما كانت.
حين أصبحت أمامي كنت أنا أمام عينيها الخاليتين من التعبير، فعيناها زجاجيتان لامعتان، لا تحملان أي علامة تشير إلى تعرف هوية القادم، لم تعرفني، ولكن اكتفت بترديد اسمي وهللت ورحبت وأدخلتني إلى الداخل الذي أحفظه جيداً ولم يتغير سوى بطبقات من الغبار تشبه الغبار الذي اعتلى ذاكرة معلمتي فأخفى ما تعرفه وما تختزنه.
جلست أمامها فسألتني عن أحوالنا، وهنا أدركت أن الزهايمر قد دهمها، لم تترحم على أمي، ولم تسأل عن أبي لأخبرها أنه قد لحق بأمي، ولم تسأل عن أولادي واحدا واحدا، ولم تأتِ على ذكر شيء من ذكرياتنا المشتركة، ولكنها كانت تردد أسئلة عامة ثم تصمت، وتسرح وتنظر إلى أشجار الحديقة التي أصبحت صفراء الأوراق مثل حياتها، ثم تعيد سؤالي نفس السؤال: كيف أخباركم؟
بكيت أمامها ولم أتمالك نفسي، ولم يبد عليها أي انفعال لدموعي، ولكنها كانت ترفع صوتها وهي تحدثني، وتحكي عن أشياء عامة، عن الوضع الصعب والحياة الصعبة، والوظائف التي أصبحت ليست سهلة، وأن أولادي عليهم أن يصبروا حتى ينالوا وظيفة محترمة، ثم تعاود الصمت.
ليست هي التي عرفتها لسنوات طويلة، لا يمكن أن تكون هي، فقد دهمها الزهايمر بسبب عيشها وحيدة بعد رحيل زوجها وعدم إنجابها لأبناء، لا أحد يحدثها ولا أحد يكلمها ليقطع صمت المكان الواسع الموحش، فماتت خلايا المخ لديها، هذا التفسير العلمي، الوحدة القاتلة هي أهم أسباب النسيان عند كبار السن، رغم أنها اليوم في الخامسة والسبعين من عمرها.
كانت تصمت ثم تردد نفس الكلام ثم ترفع صوتها وكأنها تكابر لتؤكد لمن حولها أنها بخير، شرحت لي برنامج حياتها قبل سنوات، واكتشفت أنها لا تنفذ منه شيئا، فهي لا تؤتمن لتخرج من البيت وحدها حيث نسيت الطرقات والأزقة، وتستعين بأبناء الجيران وجاراتها لقضاء حوائجها.
أنهيت الزيارة وبقيت في بكاء على حالها حتى وصلت بيتي، وقلت لأولادي يجب أن نزورها، فردت الصغيرة مقاطعة: ولكنها لا تعرفنا، ماذا سنفعل عندها؟ نعم ماذا سنفعل وقد جلست أمامها لساعة كاملة وكأني غير موجودة، صمتت طويلاً أفكر بحال الإنسان وبؤس نهايته، دعوت الله أن أموت بكامل قواي العقلية، وأفقت من شرودي وذهولي من حالها وقلت لأولادي: سوف أزورها دائما، فأنا أعرفها........

 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: