واسيني يتحدث عن روايته الجديدة حول مي زيادة

2018-05-15

كتبت بديعة زيدان:


"السيرة الغيرية لشخصية يسردها الكاتب يجب أن تمتلك خاصية التميز، بمعنى أنها لعبت دوراً بارزاً على الصعيد المحلي أو العالمي، ولكن حكايتها في الوقت نفسه تحمل مساراً تراجيدياً، خاصة أن الرواية تبنى على البعد التراجيدي، ولهذا كتبت روايتي الأخيرة حول مي زيادة" .. هكذا بدأ الروائي الجزائري واسيني الأعرج حديثه عن روايته الجديدة الصادرة عن دار الآداب اللبنانية، وعن دار الأهلية بطبعتها الخاصة بفلسطين تحت عنوان "مي .. ليالي إيزيس كوبيا".


وقال: أصبت بهذا القدر الفلسطيني، إن صحت التسمية، فهي فلسطينية لبنانية مصرية عربية، والأهم أن مصيرها الإنساني والثقافي أقوى وأوسع من الجغرافيات الضيقة، أو الدائرة المحلية، معترفاً: ربما لا أجد تفسيراً في توجهي نحو الكتابة عن مي زيادة بشكل روائي، لكن ثمة أقداراً تقودك نحو الأشياء الغامضة وأنت لا تدري.


وأضاف واسيني في ندوة حول "الرواية: سيرة الذات والمكان" ضمن فعاليات معرض فلسطين الدولي الحادي عشر للكتاب: مي زيادة طرحت عليّ العديد من الأسئلة، أولها: كيف أكتب سيرة غيرية عن شخصية توفيت قبل أكثر من سبعين سنة؟ .. هل في هذه الشخصية ما يملك بعد الاستمرارية، وهي نقطة أساسية بالنسبة للسيرة الغيرية وحتى الذاتية، كي نتقاسم هذه الاستمرارية مع القراء؟ .. وجدت في هذه الشخصية هذا البعد من الاستمرارية، وبالتالي تستحق أن يكتب عنها بشكل مغاير.


وتابع: هذه الشخصية العظيمة التي هي من رواد الحداثة العربية، علاوة على كونها امرأة في دائرة ذكورية استطاعت أن تقاوم كأنثى وكوجود إنساني، وهنا وجدت ما يدعوني إلى تأمل هذه الظاهرة في كتابة سيرة غيرية، لافتاً إلى أن السيرة الغيرية تطرح مجموعة من الأسئلة البنيوية، فالرغبة هنا لا تكفي، فلهذا النوع من الكتابة شروط، أبرزها جمع المادة التاريخية حول هذه الشخصية، وكيفية القيام بهذه العملية، حيث يجب أن تصبح سيّداً على المادة التاريخية، وليس مسوداً، وهنا أنت من يتحكم في هذه المادة لا العكس، وأنت من يرى ما هو الأجدى وغير الأجدى، وبالتالي ضمان الحصول على هذا النوع من المعرفة، ومن ثم تحويلها إلى مادة شخصية، وإلا فإن ما تكتبه ليس برواية.


واعترف واسيني بأن ما قاده للبحث عن تفاصيل حكاية مي زيادة هو مأساتها حين اتهمت بالجنون، وهنا افترضت أن "هذه المرأة مظلومة، وليست مجنونة، وأن المجانين هم من وضعوها في مستشفى المجانين"، وبدأت أتتبع هذه الفكرة البسيطة حتى صرت "داخل عالم معقد، وشبكة تقذفك إلى هنا وهناك".


وتابع: هذا النوع من الكتابة يجب أن نحبه حتى نتحمله، لكونه عملاً شاقاً وليس سهلاً .. كانت بداية التفكير بالتوجه إلى مسقط رأسها في فلسطين، وتحديداً في الناصرة، وذهبت إلى هناك بالفعل، ودخلت بيتها .. حزنت حين دخلت منزل مي زيادة لشعوري بنوع من الإهمال لهذا البيت، خاصة أن شخصية كهذه لم تؤثر في جيل فحسب، بل في ثقافة عربية بأكملها منذ بداية القرن العشرين حتى أواسطه .. هي توفيت العام 1941، ولكن استمر تأثيرها الكبير ككاتبة ليس فقط على الثقافة بل أيضاً على توطين الفعل الحداثي وقضية المرأة أيضاً في العالم العربي .. جلست حيثما كانت تجلس، وحيثما كانت تكتب، ونمت حيثما كانت تنام .. "شممت رائحتها" .. "حاسة الشم بالنسبة لي لها تاريخ وذاكرة، فلكل مكان عطر خاص يقودك بشكل أعمق نحو الشخصيات التي تنوي الكتابة السيرية الغيرية عنها".



وأشار واسيني إلى أنه توجه إلى مصر بعد ذلك، حيث زار المقبرة التي دفنت فيها بالقاهرة، في ذات المدينة التي شهدت تألق الصالون الذي حمل اسمها لأكثر من عشرين سنة، وزاره طه حسين والعقاد والمنفلوطي وأحمد شوقي وكبار الكتاب، وللأسف "يوم توفيت ثلاثة أشخاص فقط مشوا في جنازتها"، وهذا ما جعل الروائي الجزائري يتهم رواد ذلك الزمان بـ"أصحاب الفكر الذكوري"، مع أن العديد منهم تلقف الحضارة الغربية لكنها لم تترسخ في أعماقه لتتحول إلى فعل ثقافي وحضاري وإنساني.


بعدها توجه واسيني إلى بيروت، وتحديداً إلى منزلها في المنطقة الجبلية شحتول وبحث عن البيانو الذي كانت تعزف عليه، وحكاية البيانو ومصيره المكاني والكينوني تحتاج رواية بحد ذاتها .. تحسُّس أصابعها التي كانت تعزف بها، وملامسة ما تبقى من ملابسها يمنحك حساً داخلياً يعطيك إحساساً مغايراً في الكتابة، وتجعل من اللغة إنسانية خاصة لا تتوفر في نوع آخر من الكتابة.


وقال واسيني: هي رحلة استمرت وراء محطات مي زيادة لأكثر من عام، لافتاً إلى أن العديد من الأصدقاء الفلسطينيين ساعدوه في هذه المهمة، بينهم سامح خضر مدير متحف محمود درويش، ورئيس بلدية الناصرة السابق رامز جرايسي، وغيرهما، مشيراً إلى أن "الرواية سلسلة معابر نحو الآخرين، وليس فقط كتابة، بل هي فعل إنساني، بمعنى أنك ستعيد هذه الشخصية إلى الوجود بشكل ما، وتجعلها تتحاور معنا جديداً، ونكتشفها من جديد في زوايا مختلفة .. اخترت مي لعدة أسباب، منها كما أشرت أنها رائدة من رواد الحداثة، وحياتها مأساوية تراجيدية، وسطع نجمها في "عزّ الاستعمار" .. شفت الشوارع التي مشت فيها طفلة، والمنزل الذي كبرت فيه، وزرت قبرها، وقرأت كل ما كتبته، ولمست الصراع الذي قام حولها، ومن ثم المأساة حين أدخلت إلى مستشفى الأمراض العقلية التي قضت فيها ثمانمائة وسبع ليال.


وتحدث واسيني عن المسؤولية، متسائلاً: إلى أي حد تستطيع أن تقول ما تشاء؟ إلى أي حد تستطيع أن تنشئ نصّاً عن شخصية حقيقية، حيث أدخلها ابن عمها جوزيف زيادة إلى مستشفى المجانين؟ .. خاتماً: لقد "دمّرها كثيراً" .. "أحمله المسؤولية، وأتمنى أن يمد الله في عمره، وأدخل في خصومة قضائية مدنية ضده بالمحاكم اللبنانية".

 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: