مقالات

التدريب المهني حاجة وضرورة تنموية

2018-04-21

بقلم: د. سلامة أبو زعيتر*
أمس، شدتني كثيراً المبادرة التي قام بها مجلس التشغيل والتعليم والتدريب المهني والتقني في محافظات غزة لإحياء الأسبوع الرابع للتدريب والتعليم المهني (TVET)، تحت رعاية وزارتي العمل والتربية والتعليم، وذلك بإقامة معرض لتخصصات مراكز وكليات التدريب المهني والتقني وعرض مهارات وقدرات الخريجين، ومدى استعدادهم للالتحاق في سوق العمل، بالإضافة للهدف العام "تعزيز الوعي نحو التدريب المهني وأهميته في التمهير والتشغيل" وهذا العمل المتقن والهادف يأتي في إطار فكرة تطوير الوعي والقيم والاتجاهات والسلوك الاجتماعي لخلق ثقافة متطورة نحو التدريب والتعليم المهني والتقني، حيث يعد في المجتمعات المعاصرة أحد أهم أدوات التنمية ووسيلتها باستهدافه للإنسان العامل فهو أداة وهدف للتنمية، فإذا ما أحسن استثماره وتوظيف مهاراته مهنياً وعملياً، ساهم ذلك في تحقيق الكفاءة والكفاية لتحسين جودة الأداء والإنتاج، فالتدريب المهني كما يعرّف بأنه عملية منظمة وهادفة لإكساب الفرد مهارات تقنية جديدة تناسب المهن المتطورة والمحدثة، وتمكنه من ممارستها بكفاءة وقدرة ومهارة وملاءمة لمواصفات المهنة وعصرنتها، وتعني أيضاً الجهد النظامي المتكامل والمستمر لتنمية معرفة ومهارة وسلوك الإنسان العامل لأداء عمله بدرجة عالية من الكفاءة والفعالية والكفاية والجودة.
تشير معظم الدراسات والأبحاث الاقتصادية والتنموية إلى أن التدريب المهني أصبح ضرورة وحاجة ملحة لمواءمة الإنسان العامل وتمهيره وتنمية قدراته وفق احتياجات سوق العمل، وذلك ضمن الخطوات الفعالة لمواجهة آفتي البطالة والفقر، كما تؤكد الدراسات أن التدريب والتأهيل المهني المنظم والمدروس وفق خطة وسياسات تنموية تواكب التطور والعصرنة يلعب دوراً مؤثراً وفعالاً وأساسياً في نمو الثقافة وصناعة الحضارة باعتباره مركز التعليم والتدريب والتمهير لتنمية وتطوير قدرات العنصر البشري، ما ينعكس على المجتمع بكل فئاته الاجتماعية، من هنا فالتدريب المهني هو السبيل الأمثل والأنجح لإعداد الإنسان العامل والمنتج مهنياً وتقنياً بما يتناسب مع متطلبات المهن المتغيرة والمتطورة ارتباطاً بالمتغيرات التقنية والتكنولوجيا والعصرنة والحداثة والانفجار المعرفي والتقدم في جميع مناحي الحياة، وتحول العالم لقرية صغيرة بما تحمل من معنى ووسائل وسهولة لانتقال المعارف والمعلومات من مجتمع لآخر بسلاسة، ضمن وسائل وتقنيات الاتصال المتطورة، وتوفير إمكانيات الانتقال للعمل في أسواق عمل بديلة، فالتدريب المهني عملية مستقبلية تهدف لضمان مستقبل العامل والنهوض به في جميع القطاعات، وعلى كافة المستويات وإعداده مهنياً ليصبح قادراً على الالتحاق بسوق العمل والمهنة المناسبة بكفاءة ومهارة عالية، وهذا استثمار للإنسان يساعده في تنمية مهاراته وقدراته العملية وينمي ملكات التفكير والإبداع لديه.
إن التوجه لدي الشركاء الاجتماعيين من أطراف الإنتاج، والنشاط الأخير لمجلس التشغيل وشركائه ينصب في تنشيط الاهتمام في مجتمعنا الفلسطيني باتجاه تعزيز الوعي والثقافة نحو التدريب والتعليم المهني باعتباره أحد أهم الطرق والوسائل للتدخل المباشر في علاج مشكلة البطالة والفقر، فتمكين الشباب والعمال من مهارات مهنية تناسب بيئة العمل واحتياجات السوق والمهن المتطورة يتيح الفرصة للاندماج بسرعة في سوق العمل، فالتدريب فرصة ذهبية في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية تتيح المجال للخريجين من مراكز التدريب المهني للتأهيل مهنياً والاستجابة لمتغيرات بيئة العمل بما تحمل من تقدم تقني وتكنولوجي وحداثة، وعلى رأي المثل الشعبي: "الصنعة إذا لم تغن تستر صاحبها".
ولإنجاح هذه الجهود والتوجهات لتعزيز الثقافة المجتمعية وتوجيه الشباب والأهالي نحو التعليم والتدريب المهني كبديل فعال يساهم في التنمية، ولخلق فرص للعمل، نحتاج للكثير من البرامج والأنشطة ضمن خطة إستراتيجية متكاملة تهدف لتعزيز وتكوين الوعي والفكر للتوجه نحو التدريب المهني والالتحاق بالمؤسسات والمراكز والمعاهد المهنية وإعطائها أولويات للتسجيل، ويأتي ذلك من خلال الخطوات التالية:
- ضرورة تطوير سياسات ومناهج التعليم والتدريب المهني لتتواءم مع واقع واحتياجات سوق العمل والمهن الحديثة والمتطورة.
- تطوير إمكانية وقدرات المؤسسات والمعاهد المتخصصة في مجال التدريب المهني ومواكبتها للحداثة المهنية والتطور التقني في المهن والأعمال الإنتاجية.
- تطوير وتعزيز العلاقات الثلاثية بين أطراف الإنتاج الاجتماعيين "ممثلي العمال وممثلي المشغلين، الحكومة"؛ لتشارك في رسم السياسات للتدريب المهني والتعليم المهني والتقني بما يتناسب والبيئة الوطنية وأسواق العمل المحلية والخارجية والتطور المهني والتقني والتكنولوجي.
- العمل على نشر الوعي والثقافة على مستوى المجتمع نحو التدريب المهني وأبعاده للاستثمار في الإنسان وتطوير قدراته ومهاراته لتهيئته لفرص عمل جديدة.
- مشاركة ممثلي القطاع الخاص والجهات التشغيلية في تطوير سياسات ومناهج التدريب المهني لمواءمة واحتياجات سوق العمل ضمن دراسات معمقة للبيئة التشغيلية، وفهم احتياجات وطبيعة المجالات ومستوى التطور والتحديث في الأدوات والماكينات والتكنولوجيا.
- ضرورة أن تكون هناك خطة إستراتيجية باتجاه تنموي لتطوير سياسات التعليم العالي لدمج التدريب المهني والتعليم التقني ضمنها بطريقة تساهم في ربط التعليم واحتياجات سوق العمل والبيئة التشغيلية المحلية والخارجية، ومراعاة التدريب العملي للطلاب في ميادين العمل الفعلية لصقل قدراتهم وتنميتها وفق احتياجات سوق العمل ليكونوا على جاهزية للالتحاق بالعمل في أقرب فرصة.
- التأكيد على الجهود التي بذلها وزير العمل مأمون أبو شهلا ووزير التربية والتعليم صبري صيدم لتشكيل مجلس أعلى للتدريب والتعليم المهني والتقني، وضرورة إطلاق برامجه التنفيذية بكفاءة وبصورة فعالة في كافة أنحاء الوطن.
هذه الخطوات قد تساعد في وضع قاعدة وأساس للعمل مستقبلاً في إطار التدريب وتنمية مهارات التفكير التأملي والإبداع وبناء القدرات والمهارات في مراكز ومؤسسات التدريب المهني بكل مجالاتها وأنواعها المهنية، وذلك ضمن توصيف وسياسات متفق عليها تساهم في إعادة التوازن لواقع هياكل العمالة النوعي والعددي، في حال حدث فائض في تخصص أو قطاع معين من العمال والخريجين، يمكن تأهيلهم مهنياً من خلال التدريب التحويلي في مجالات وتخصصات جديده ضمن احتياجات سوق العمل لسد أي عجز فيه، وهذا يتيح الفرصة لتفهم العلاقة بين النظري والتطبيق العمل، وينمي الوعي لدى العمال والشباب والأهالي لتقبل التغيير والاستعداد له، وبذل الجهد لتعزيز التوجه نحو التدريب المهني والتقني، وهذا كله سيشكل مدخلاً أساسياً لزيادة معدلات التنمية ومواجهة البطالة، فالعلاقة بين التنمية والبطالة علاقة عكسية ومباشرة؛ فكلما زادت معدلات النمو الاقتصادي انخفضت معدلات البطالة وارتفع مستوى الدخل، وهذا يساهم في خلق فرص عمل جديدة واستيعاب عمال جدد في سوق العمل.
فالمطلوب والمأمول هو تكاتف كل الجهود وتعاون كل الأطراف وتطور وعينا باتجاه أهمية التدريب والتعليم المهني لنستطيع أن نستثمر في أغلي ما نملك وهو الإنسان وهو المورد الأساسي لمجتمعنا الفلسطيني.

*عضو الأمانة العامة للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: