آراء

اغتيال التغيير والزمان في انتخابات لبنان

نسيم الخوري

2018-02-19

عندما ينتخب اللبنانيون المسلمون ممثّليهم في البرلمان من غير المسلمين ويختار اللبنانيون المسيحيون ممثّليهم في البرلمان من غير المسيحيين يكون لبنان قد عاد إلى لبنان الزاهي ويرضي الغالبية العظمى من اللبنانيين، ونكون قد قطعنا مسافة محترمة. تلك هي الخطوة الأولى الشاقّة الخيالية التي قد تخلص اللبنانيين من الاستغراق السياسي في إظهار صورة لبنان الطائفي الذي بات أبناؤه المغتربون يخجلون به ويسعون إلى تلميع صورته أو استعادة صورته القديمة. ما الكارثة إن وصل نائب إلى البرلمان بنسبة ضئيلة من المقترعين من الطوائف كلّها؟ ألا يقوده أمر أو قانون من هذا الطراز أو يلزمه بتغيير منطقه وسحب الهواجس والهوامات الطائفية من عقله ولسانه بمعنى خطبه وتصريحاته وسلوكه والإقلاع عن أن يكون نائباً محدوداً ليصير نائباً على مستوى وطنه. يستحسن التذكير هنا بتجربة مماثلة عندما قاطع معظم المسيحيين الانتخابات البرلمانية في العام 1992 ترشيحاً واقتراعاً: ألم يصل بعدها نواب إلى البرلمان بـ ٤٣ صوتاً فقط؟ وقبل ذلك، ألم يعين مجلس الوزراء اللبناني، نواباً في البرلمان في الـ 1991 بعد الاتفاق على وثيقة الوفاق الوطني في الطائف بالمملكة العربية السعودية واضعاً حدّاً للحروب الهائلة التي دمّرت هذا الوطن الصغير؟
تكمن المفارقة التي تزعج معظم اللبنانيين اليوم داخل وطنهم وخارجه أنّهم لم يلمسوا ولو خطوة إيجابية مفيدة في طريق إعادة بناء لبنان، إلى درجة إقرارهم بالافتراق بين "ديانة" الآباء و"ديانة" الأبناء في فهم السياسة المعاصرة المتطورة وقدسية التمثيل. هذه خطب يومية تعجّ بها أحرام الجامعات وأروقتها ومدارسها وتكاد تستغرق معظم ما تبثه الشاشات ووسائل الإعلام. يتشبث السياسيون بعوالمهم ونوابهم الذين صاروا جزءاً أكثر من مألوفٍ في البرلمان الذي مدّد لنفسه مرتين وكأن التمثيل بات وظيفة إدارية، ناهيك عن الجمع بين الوزارة والنيابة في العديد من الأشخاص المحظيين أنفسهم، بينما اللبنانيون في المقابل يتلظّون في عالم مختلف، ويتطلّعون إلى الانتخابات البرلمانية المقبلة ورؤوسهم مشدودة إلى الوراء، أي إلى زمنٍ أهمّ وأغنى بكثير من حاضرٍ حافلٍ بالانقسامات والخطب المذهبية والطائفية الحماسية والفساد المخيف. من يستعرض ولو أفقياً تاريخ التآخي الحقيقي والمستوى الحضاري في التمثيل البرلماني القديم ونوعية الخطاب السياسي غير الطائفي، أعني الوطني والعربي في غابر الزمان الديمقراطي البرلماني في لبنان يفهم مستوى التراجع والانهيارات الحالية ونوازع الطموح في العودة إلى هذا اللبنان القديم الذي كان البرلماني فيه ممثلاً عن الأمّة اللبنانية والعربية لا عن طائفته أو مذهبه أو قبيلته أو عائلته أو وريثه.
الخوف من التغيير؟
إشارة أولى: يقول رئيس حزب كبير في لبنان في مقابلة تلفزيونية: إنّه لا يريد تغيير الوجوه في من سيمثل حزبه وطائفته في البرلمان المقبل. وأكثر من ذلك هو قال: إنّه ضد اشتراك المرأة في الانتخابات البرلمانية لأنّ العمل البرلماني، كما قال، هو الركض من إدارة إلى أخرى خدمةً للمواطنين، وهو ما لا تقوى المرأة عليه، لذا فمن الأفضل أن تهتم بتربية الأولاد. هو لم يذكر معضلة التشريع قطّ، مع أن النظام الديمقراطي يقوم على التغيير والتطوير الدائمين، وأساس التغيير البرلماني هو أن الناخب يحاسب النائب الذي بدوره يحاسب الحكومة أو الوزير في الحكومة لتتآلف السلطات بالمناخ الديمقراطي.
إشارة ثانية: هناك شخصيات غلبتها الشيخوخة وشارفت العجز ولم يشهد الناس على أنشطتها التشريعية وما زالت تعتبر من الثوابت في تمثيل الناس برلمانياً وقوّتها ثابتة لا في إنجازاتها، بل في الثروات الهائلة التي تدفعها للزعماء ورؤساء الأحزاب لتأمين الاستمرارية في التمثيل. وقد نجد شخصيات فتية من الثوابت أيضاً من لوازم الحياة البرلمانية التي تبدو وكأنّها فقدت صورتها ومثالها لتتقمّص صورة الزعيم وتلبس صورته ولسانه ونبرته.
إشارة ثالثة: صحيح أنّ "عالم المثل ثابت لا يتغير ويبقى خارج الزمن وإلى الأبد" كما قال أفلاطون في رسم جمهوريته، لكن عالم الواقع والسياسة قائمة في الأمكنة والأذهان وخاضعة للمتغيرات اليومية وقوّة الزمان، إذ لا يمكن أن يبقى المألوف ماضياً يتجاوز الحاضر والمستقبل الذي" يشغل اللحظة الجوهرية في وجود الإنسان وتطوره" كما قال هايدجر في كتابه: "الوجود والزمان".
إشارة رابعة: كانت علوم الرياضيات محدودة ومنضبطة يمكن حصرها بالجمع والطرح والقسمة والضرب، وبقيت الأرقام طيلة عشرين قرناً مسألة تقيّد الأفكار والأجيال والحضارات وترخي بأثقال محدوديتها على العقل البشري حتّى اكتشاف الرياضيات الحديثة وتفجّر الـ Bits. ما هو هذا البايت؟ هو ببساطة كليّة إخراج الصفر من عدميته وإعطاؤه روحاً وقيمة كبرى في علوم العصر. مع البايت خرجت الدنيا بقاطنيها من شيخوختها إلى تجديد شبابها عبر بعث جاذبيات وسائل الاتصال والإعلام وإعادة القول بالعالم الذي لا تغرب الشمس عنه بالمعنى المعرفي والتواصلي وتبادل البورصات والثقافات، وسقوط الحدود بين الدول والشعوب والثقافات.
تضيق مسافة المواءمة بين التفكير المقيم في التغيير والرافض له جهراً وسرّاً، ولنعترف أنّ أجيالاً مسكونة بالتغيير تتراكم على الدنيا عبر وسائل التواصل، وقد لا يعنيها الكثير من الكلام في تحقيق أدبيات التعايش والاختلاط والتسامح والعيش المشترك وغيرها من المواصفات والمصطلحات المشابهة المفرغة من مضامينها. لا تعترف أجيال التغيير إلاّ بالتغيير الشامل عنواناً لإعادة بناء الأوطان وترميمها والمصالحة مع الزمان وعدم تجميده وجعله ثقيلاً، وهو ما لا نلمسه حاصلاً أو سيحصل في أذهان معظم زعماء الأحزاب والسياسيين التقليديين في لبنان. إنّ لبنان، إن لم يحصل ما يحول دون إجراء الانتحابات البرلمانية، يستهلك آخر أو بقايا مرحلة انتقالية بالية شديدة الصعوبة والتعقيد والهضم في الدعوة إلى إعادة بناء الديمقراطية عبر تغطيته مجدداً بالثياب المتجاوزة للديكتاتورية.


* أستاذ مشرف في المعهد العالي للدكتوراه، لبنان.

drnassim@hotmail.com

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: