آراء

مهن المستقبل

عبد الغني سلامة

2018-02-19

في المستقبل القريب، والذي سيحمل معه تغيرات جذرية ستصيب العالم بأسره، وستغير من شكله كلياً، ستختفي مهن كثيرة، وستحل مكانها مهن أخرى جديدة، لا نعرف شكلها الآن، ولكن، يمكن تلمّس أبرز ملامحها.. وثمة مقولة إن 60٪ من وظائف المستقبل لم تُـخترع بعد!
اختفاء العديد من المهن سيكون نتيجة طبيعية للتطورات المذهلة التي أصابت وسائل وأدوات الإنتاج، ومن المهن المهددة بالاختفاء في المدى المنظور: طباعة وتوزيع الصحف والمجلات، وتشغيل الآلات المكتبية، والخياطة في معامل الألبسة، وتعقب المعاملات في الدوائر الحكومية، وكتابة العرائض، واستقبال المكالمات (السنترال)، وإدخال البيانات، وقراءة عدادات المياه والكهرباء.. وأيضاً، من المهن التي في طريقها للانقراض: الخطاطون، وموظفو البريد، ومبلّغو المحاكم، ومندوبو المبيعات التقليديون، والمحصلون الماليون، وسماسرة العقار والسيارات، وأمناء المستودعات.
واختفاء هذه المهن والحرف مسألة وقت، تماما كما حدث مع المهن التي ارتبطت بآلات وأجهزة هي نفسها انقرضت، فمثلا لم نعد نسمع مصلّح بوابير الكاز وهو يجوب الشوارع، رغم أن "البابور" كان له مجد تليد في غابر الأيام، أو كما انقرضت مهن قديمة، قد لا يصدق البعض أنها كانت موجودة، وذلك بسبب انتفاء الحاجة لها، وتغير العلاقات الاجتماعية، مثل شهبندر التجار، والآغا، والصبّان، والقبّنجي، ومجلّخ السكاكين، والمنجّد، والسقّاء، والعتّال، ومبيّض النحاس، والمطهّر، والمسحّراتي، والحكواتي، والكراكوز، والقرداتي، وصائد الفئران، والماشطة، والمرضعة، والنائحة.
ومن لا يستوعب تلك المتغيرات سيتجاوزه الزمن، في الوقت الراهن، شركات كبرى، أقفلت، وأفلست، لأنها لم تكيف نفسها مع التطورات العلمية الآخذة بالتسارع، مثل شركات صناعة أفلام الصور الورقية (فوجي، وساكورا وغيرها)، شركة نوكيا للهواتف الخلوية، كما تراجعت صناعة الساعات اليدوية، باستثناء الساعات الفاخرة، كما أقفلت من قبلها صناعة الآلات الطابعة، والفاكسات، والكاسيتات، والأقراص المدمجة، وأفلام الفيديو.
وفي المدى غبر البعيد، سينقرض معظم الأعمال المكتبية، شركات الحراسة، تصليح الساعات، ستوديوهات التصوير، سائقي الأجرة، الحرف التقليدية اليدوية.
بعض المهن، من المستبعد جداً اختفائها من سوق العمل، خاصة تلك التي تتطلب مهارات بشرية خاصة، ومن أبرزها: التدريب، القضاء، التصميم، التعليم، التمريض.. والمهن التي تحتاج ملَكات ومواهب خاصة، مثل التأليف، التلحين، تصميم الأزياء، الغناء، الرقص، الفنون والآداب بأشكالها، مهارات الطبخ، وإعداد الأطباق المميزة، الكوافير. الرياضيون البارعون سيكون لهم مستقبل مضمون.
اليوم مثلا، في الدول المتقدمة تقوم الرافعة الشوكية مكان السائق، وعمّال التحميل، والتنزيل، والمحاسب، وأمين المستودع.. ذراع آلية واحدة على خطوط الإنتاج تحل محل عشرات العمال غير المهرة، جرار زراعي متطور ينجز في ساعة واحدة ما كانت تنجزه قرية كاملة في أيام.
صحافة المواطن (التي تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي) ستحل مكان الصحافة الرسمية بنسبة كبيرة.. السياحة ستظل مهمة وسوقاً منتعشة، لكن الوظائف المرتبطة بها ستتغير إلى حد كبير؛ فقد لا يعود حاجة لموظفي حجوزات الطيران والفنادق ومعدي البرامج السياحية والأدلاء السياحيين.. صناعة السينما ستظل مزدهرة، لكن المهن المرتبطة بها ستعتمد أكثر فأكثر على برامج الكمبيوتر. المحاماة ستظل مطلوبة، خاصة في القانون الدولي، ولكن سيحل مكان المحامي بالتدريج مستشار قانوني إلكتروني. التطبيقات المختلفة على الهواتف الذكية ستلغي عشرات الوظائف.
على المدى البعيد، سيكون الطبيب عبارة عن ماسح ضوئي يشخص الجسم ويحلل أعضاءه ويتعرف إلى المرض بدقة، ويصف العلاج اللازم بكبسة زر. الهندسة بأنواعها ستكون عبارة عن برامج وتصاميم كمبيوترية.
سيكون الحارس الشخصي، وعامل التنظيفات، والعامل على خطوط الإنتاج، وموظف الاستقبال عبارة عن روبوت آلي. السيارات ستكون بلا سائق، وستحل الطابعة ثلاثية الأبعاد بدلا من عشرات المهن.
وحسب تقرير البنك الدولي المنشور على موقعه، سيحتاج العالم حتى العام 2020 إلى 600 مليون وظيفة جديدة، وهذا العدد تم التنبؤ به وفق معيارين: الأول هو الزيادة السكانية المتوقعة، والثاني التطورات التكنولوجية السريعة وغير المسبوقة.
ولكن، حسب تقرير التنمية البشرية العربي، سينضم في الخمسين سنة القادمة نحو خمسين مليون شاب وشابة في المنطقة العربية إلى البطالة.. وهذا أكبر تحدٍ ستواجهه الدول العربية.. والمشكلة أن المنطقة العربية، رغم تخلفها تقنيا، إلا أنها ستتأثر بالتحولات العالمية التي تجرى من حولها، بما في ذلك، تأثرها بنوعية المهن، فمثلاً، وفقاً لتقرير أعدته مؤسسة البحوث الإستراتيجية السويدية، فقدَ 450 ألف موظف عمله في الفترة الممتدة ما بين 2006 و2011، في السويد وحدها، بسبب الاعتماد على الأتمتة والتكنولوجيا الحديثة، خصوصاً في  قطاعات الصناعة والتجارة والإدارة. وهذا يعني اختفاء ما يقرب من 10% من الوظائف في السويد.
إذا، ما العمل؟ وكيف سنواجه المستقبل؟
ينصح الخبراء توجيه الطلبة والشباب نحو الحرف والمهن الصناعية، ولكن حتى هذه تحتاج لدراسة احتياجات السوق أولاً، المهم عدم التركيز على الدراسة الجامعية. وبدلاً من تشجيعهم على اختيار مهنة محددة، مثل مهندس، أو طبيب، أو موظف.. ينصح بالتركيز على اكتساب المهارات الضرورية لسوق العمل، وأهمها اللغات الأجنبية، وإجادة برامج متخصصة على الكمبيوتر، وغيرها من المهارات التي يمكن تطويرها عبر الدورات المتخصصة، والتعلم الذاتي.. المهم أيضا عند اختيار المهنة أن تتوافق مع ما يرغب به وما يشعره بالسعادة والإنتاجية وما يوافق ميوله وشخصيته، لأن ذلك سيزيد فرص نجاحه وتميزه، ولكن الخوف ألا يمتلك شبابنا في المستقبل ترف الخيار.
ومع ذلك، ستظل عشرات المهن التقليدية موجودة، التي نعرفها ونحتاجها في حياتنا اليومية، لكن التنافس عليها سيكون شديداً، وفرص العمل فيها ستكون ضئيلة للغاية.. لذلك، يجب التفكير بطريقة إبداعية وغير تقليدية، من خلال معرفة توجهات المستقبل.
عموما، يتجه العالم نحو المهن المتعلقة بالمجالات الآتية: تقنيات النانو، الهندسة الوراثية، استخدامات الطاقة الخضراء، البرمجة، الذكاء الاصطناعي، التسويق الإلكتروني، ألعاب الفيديو، تقنيات الاتصالات الخليوية، تكنولوجيا المعلومات، أمن المعلومات، ابتكار برامج تعمل على اختصار الوقت وتوفير الطاقة وتقليل كلفة الإنتاج، تحليل البيانات الضخمة.. وهاتان الأخيرتان ستكونان الأعلى دخلا على الإطلاق، وستستوعبان مئات آلاف الخريجين.. وهذا موضوع ربما نتناوله في مقالة قادمة.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: