لماذا لا تشكّل التنظيمات السلفية في غزة تهديداً لحكم «حماس»؟

2018-01-13

بقلم: تسفي برئيل
نشر فرع "داعش" في سيناء (ولاية سيناء) فيلم فيديو قصيرا يثير القشعريرة، الاربعاء الماضي، يظهر تنفيذ عملية اعدام قصيرة وباردة لأحد نشطاء "حماس"، موسى أبو الزمط. في الفيلم القصير يظهر عدد من نشطاء "داعش"، من بينهم القاضي كاظم المقدسي، الذي حكم بأن الزمط متهم بنقل السلاح "لتنظيم الكفار" "حماس". منفذ الاعدام هو محمد الدجني، ابن أحد كبار قادة "حماس"، أنور الدجني، المسؤول عن علاج الجرحى في غزة والمقرب من القيادة العليا في المنظمة.
لم ترد "حماس" على الحادثة، لكن عائلة الدجني نشرت بيانا اعلنت فيه أنها "تتبرأ من الأعمال المخالفة للشريعة الاسلامية ومن باقي الاعمال التي لا تتوافق مع ديننا المتسامح ومع قيم شعبنا". يمكن الآن توقع عملية رد من قبل "حماس" وعملية تأتي في اعقابها من قبل التنظيمات السلفية. مرت التنظيمات الراديكالية في غزة في طريق طويل منذ سيطرت "حماس" على القطاع في 2007 وحتى حرب تصفية الحسابات التي تديرها التنظيمات فيما بينها.
المفهوم الاسرائيلي المعتاد "تنظيمات مارقة"، الذي يعرف هذه التنظيمات والتي سميت ذات مرة "داعش سيناء" و"تنظيمات سلفية"، موجه في الاساس الى اربعة اجسام كبيرة لا تنتمي جميعها لـ"داعش". هذا مفهوم مخادع لأنه يبرهن أن اسرائيل ترى في "حماس" حكما ممثلا، سواء من ناحية مسؤوليتها عن الامن في غزة والحفاظ على اتفاقات وقف اطلاق النار، أو كجسم مسؤول عن الادارة اليومية للشؤون المدنية. هكذا، فان كل من لا يخضع لـ"حماس" فانه ليس فقط "مارقا" ومتمردا على السلطة الحاكمة في غزة، بل ايضا يعطي لـ"حماس" مكانة مفضلة وتقريبا شرعية.
هذه التنظيمات الراديكالية ليست متشابهة، وحتى قبل أن يعلن بعضها الولاء لزعيم "داعش"، أبو بكر البغدادي، في العام 2014، ساد فيما بينها توتر أدى الى مواجهة عنيفة. بداية طريقها في غزة في السبعينيات يمكن أن نعزوه الى عودة طلاب فلسطينيين من السعودية، حيث تلقوا فيها تعليما وتوجيها دينيا من فقهاء شريعة متطرفين شجعوهم على الانضمام الى التيار السلفي.
ينقسم التيار السلفي الى ثلاثة اقسام فرعية. الاول ينشغل في الاساس في البحث والتعليم بهدف أن يفهم ويكتشف "الايمان الحقيقي" والعيش كما كانت الحال في فترة الآباء المؤسسين للإسلام. هذا التيار يبتعد عن العمل السياسي أو العسكري، حتى أنه يدين فقهاء الشريعة الذين يعملون في هذه الساحات. من هنا ايضا يأتي العداء الديني الشديد بين التيار السلفي التطهري وبين حركات إسلامية سياسية مثل "الاخوان المسلمين" واحفادهم السياسيين مثل "حماس" في قطاع غزة أو حركة النهضة في تونس. التيار الثاني مستعد لتبني العمل السياسي الى جانب التفقه في الدين من خلال الوعي بقوة المشاركة السياسية لتحقيق فكرة دولة الشريعة. نشطاء هذا التيار يقيمون أحزابا مثل الاحزاب السلفية في مصر التي تحظى بتعاون مع النظام المصري كجزء من نضال السلطة ضد "الاخوان المسلمين". التيار الثالث هو التيار الذي يسمى "السلفية الجهادية"، وهو يرفض التعاون السياسي مع الانظمة القائمة في الدول العربية، وهدفه اسقاطها. وخلافا لتنظيمات الدعوة يرى امامه حلم الثورة الاسلامية التي تحدث من الاعلى بعد تصفية "الانظمة الكافرة".
ولكن ايضا التيار السلفي الجهادي يجد صعوبة في الحفاظ على وحدة تنظيمية وايديولوجية. جزء منه انضم لـ"داعش" وجزء لـ"القاعدة" وآخرون يعملون بصورة مستقلة. هذه هي تنظيمات صغيرة، ورغم الضجة الكبيرة التي تفعلها احيانا إلا أنها لا تنجح في ايجاد مكانة مهمة لها في اوساط السكان الفلسطينيين في قطاع غزة. حتى قبل سيطرة "حماس" على غزة شنت التنظيمات السلفية نقدا لاذعا لـ"حماس" على مشاركتها في الانتخابات، العام 2006، وحاولوا الإثبات للجمهور بأن "حماس" تنظيم لا يختلف عن "فتح"، سواء من الناحية السياسية أو الدينية. خطاب كهذا وضعهم بصورة طبيعية على مسار التصادم مع "حماس"، التي ضعضعت قاعدة نشاطهم الجماهيرية من خلال هجمات على مساجدهم في 2007 و2009.
الفشل الأهم لهذه التنظيمات يكمن في الانقسام فيما بينها وعدم قدرتها على الاتفاق وحتى على قيادة دينية مشتركة، رغم حقيقة أن الفوارق الدينية بينها صغيرة. يبدو أن سبب ذلك يكمن في شخصية زعماء هذه التنظيمات، وفي الخلفية المختلفة لهم وفي طموحاتهم الشخصية. ونتيجة ذلك، رغم السعي خلف مجندين جدد، لا يوجد أي تنظيم جهادي فوق قومي، مثل "القاعدة" أو "داعش"، لم يعترف بشكل علني بأي تنظيم من هذه التنظيمات السلفية العاملة في غزة. ايضا عندما تصادمت هذه التنظيمات مع "حماس" امتنعت قيادة "القاعدة" عن مهاجمة "حماس" أو منح رعايتها لهذه التنظيمات السلفية.
"القاعدة" و"داعش" يتنافسان على كسب ود التنظيمات في سيناء، على خلفية هزيمة "داعش" في العراق وسورية، وازاء الخلاف بين التنظيمات السلفية التي عاد جزء منها الى حضن "القاعدة"، وجزء منها ما زال مترددا. التنظيمات في غزة في المقابل ليست شريكة في هذه المنافسة رغم أن "داعش" في سيناء يحاول طرح نفسه ايضا كراع للتنظيمات السلفية في غزة. في آب الماضي وبعد العملية الانتحارية التي نفذها احد نشطاء هذه التنظيمات في الجزء الشرقي من معبر رفح وقتل أحد نشطاء "حماس"، شنت "حماس" حربا شديدة ضد نشطاء هذا التنظيم، وتلقت "حماس" في المقابل تحذيرا شديدا من المتحدث بلسان "داعش" في سيناء، وقد جاء في التحذير "أن (حماس) ستدفع ثمنا باهظا بسبب تدميرها مساجد السلفيين في غزة".
في ايلول، بعد التوقيع على اتفاق المصالحة بين "فتح" و"حماس" بوساطة مصرية، نشر "داعش" في سيناء تهديدا آخر جاء فيه أن كل الاتفاقات بين "حماس" والمخابرات الكافرة في مصر، والتي تهدف الى فرض حصار على جنود الخلافة (الاسلامية) المباركة لن تفيد. في المقابل، امتنعت التنظيمات السلفية في غزة عن التصادم مع "حماس".
"حماس"، التي تحاول التصرف كنظام سياسي مسؤول، تصادمت مع التنظيمات السلفية ايضا عندما بدأت هذه التنظيمات العمل ضد اهداف "كفرية" في غزة وقامت باحراق محلات للفيديو ومقاهٍ، وذلك خوفا من أن تقوم هذه التنظيمات بالمس بشرعية "حماس" كتنظيم قومي وليس فقط كتنظيم ديني. "حماس" لا تتأثر بشكل خاص بالمصطلحات الدينية للسلفيين التي هدفت للمس بمصداقيتها الدينية. المتحدثون بلسان "حماس" اعتادوا على الاستهزاء بالعباءة الدينية التي تلتف بها التنظيمات السلفية، ولا سيما بسبب أن عددا من رؤساء هذه التنظيمات بدؤوا طريقهم علمانيين تماما، وايضا بعد توبتهم فانهم بعيدون عن أن يكونوا معلمين أو فقهاء في الشريعة.
مثال معبر بشكل خاص هو ممتاز دغمش الذي بدأ طريقه "العسكري" كرجل استخبارات في الأمن الفلسطيني في فترة حكم ياسر عرفات، وبعد ذلك انضم لـ"حماس" وانتقل الى اللجان الشعبية التي انشئت في الانتفاضة الثانية وكان مسؤولا عن قتل موسى عرفات، ابن عم ياسر عرفات. بعد ذلك أنشأ دغمش منظمة "جيش الاسلام" الكبيرة والمسلحة من بين التنظيمات السلفية، الامر الذي لم يمنعه من المشاركة في اختطاف جلعاد شاليت وتسليمه لـ"حماس"، ايضا تسليم "حماس" عشرة من ابناء عائلته ممن عملوا في اطار الاجهزة الأمنية الفلسطينية. في ايلول 2015 أعلن انضمامه لـ"داعش"، لكن أساس قوته يكمن في حمولة دغمش الكبيرة. الصلة بينه وبين الدين الاسلامي هي مثل العلاقة بين اسماعيل هنية والحركة الصهيونية.
لا تشكل التنظيمات السلفية تهديدا حقيقيا لقوة "حماس"، ولكن يمكنها أن تقلق وتهدد، بالتحديد عندما تطلق النار على اهداف في اسرائيل ومصر. تتصرف اسرائيل بناء على ذلك بحكمة عندما تميز بين هجمات التنظيمات السلفية وبين هجمات "الجهاد الاسلامي". مطالبة "حماس" بالسيطرة على هذه التنظيمات وتحمل المسؤولية عنها لاحباط نشاطاتها هي جزء من الاعتراف غير الرسمي بمكانتها. ولكن هذه العقلانية لا توجه دائما وزير الدفاع أو وزراء اليمين الذين يضمون كل هذه التنظيمات، بما فيها "حماس"، في رزمة واحدة، الامر الذي يجعل الطريق الذي يقود الى هجوم شامل على غزة قصيراً.

عن "هآرتس"

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: