إسرائيل على أعتاب حرب جديدة

2018-01-13

بقلم: عاموس هرئيل   
طُرحت تقديرات الاستخبارات في الجيش الاسرائيلي للعام 2018، الاسبوع الماضي، على وزير الدفاع افيغدور ليبرمان ورئيس الاركان، غادي آيزنكوت. الجمل الافتتاحية لهذا التقدير تشبه جدا تقدير العام 2017. احتمالات أن تقوم دولة مجاورة أو أحد التنظيمات «الارهابية» النشيطة فيها بالمبادرة في العام القادم الى شن حرب مع اسرائيل هي احتمالات ضئيلة تصل الى الصفر تقريبا. لم يبق الكثير من الجيوش العربية، أما الانظمة المجاورة فتنشغل بنفسها، فيما ينشغل «حزب الله» و»حماس» بصورة مستمرة بالمشكلات الداخلية.
أين يكمن الفرق؟ رئيس الاركان في بداية سنته الرابعة والاخيرة في منصبه وصف الوضع كالتالي: ازداد جدا خطر التدهور، حتى الى درجة الوصول الى حرب. جهاز الاستخبارات ورئيس الاركان قلقون جدا من سيناريوهين محتملين. أولا، نتيجة رد أحد الاعداء على استخدام القوة الاسرائيلية. والثاني، بسبب اشتعال الساحة الفلسطينية. هناك، عندما يخرج المارد من القمقم يحتاج الامر شهورا كثيرة واحيانا سنوات لاعادته إليه.
في السيناريو الاول يتناول آيزنكوت ما يسميه الجيش «الحرب بين الحروب»، وهو الجهد الاسرائيلي لإحباط تسلح الاعداء بالسلاح المتطور بهدف نزع القدرة التنفيذية التي يمكنها أن تخدمهم عند اندلاع الحرب القادمة. معظم هذا النشاط يتم بعيدا عن حدود اسرائيل وتحت الرادار. بشكل عام تحظى بالقليل من التغطية الاعلامية، وفي الجزء الاكبر من الحالات لا تعلن اسرائيل عن مسؤوليتها عن الهجمات. رئيس سلاح الجو السابق، أمير ايشل، قال في آب الماضي في مقابلة مع «هآرتس» إنه في السنوات الخمس في منصبه كان هناك 100 هجوم تقريبا مثل هذه الهجمات في الجبهة الشمالية، وفي ساحات اخرى ايضا.
كلما زادت هجمات اسرائيل (حسب مصادر أجنبية) وهي تقوم بذلك بوسائل متطورة أكثر، يزداد الاحتكاك المحتمل مع دول وتنظيمات، ويزداد الخطر الذي في نهاية المطاف يمكن أن يستدعي ردا مهما. شيء مشابه جدا يحدث على حدود القطاع. بناء العائق ضد الانفاق الهجومية هناك، في الوقت الذي تطور فيه اسرائيل وتنفذ طرقا محكمة اكثر لاكتشافها. يبدو أن ثلاثة انفاق تم الكشف عنها وتدميرها قرب الجدار في الأشهر الأخيرة، ولكن هذا النجاح يحتمل أن يكون له ثمن ايضا، اذا قررت «حماس» أو «الجهاد الاسلامي» استخدام السلاح الهجومي للانفاق قبل أن يتم سحبه منهما بصورة مطلقة.
على الاغلب يكون مطلوبا انتقاد الاستخبارات للخطأ في التوقعات، لكن في الاسبوعين الاخيرين وجدنا امثلة على كل هذه التوجهات في جبهات مختلفة. يوم الاحد الماضي، اجتمع «الكابنت» في جلسة مطولة لبحث الوضع في الجبهة الشمالية. وفي فجر الثلاثاء الماضي، نشرت وسائل الاعلام العربية أنباء عن هجوم اسرائيلي ضد مخازن اسلحة للجيش السوري في دمشق. في المنطقة ذاتها كان قصف جوي في بداية كانون الاول الماضي لقاعدة اقامتها ايران لصالح مليشيا شيعية. في عدد كبير من الهجمات الاخيرة جاءت أنباء عن اطلاق مضادات للطائرات سورية في محاولة لضرب الطائرات الاسرائيلية. مؤخرا يقول السوريون إن الهجمات أصبحت أكثر احكاما.
قبل بضعة ايام من ذلك جاءت أنباء عن هجوم جوي اسرائيلي، كما يبدو لنفق قرب الحدود في قطاع غزة. أما في الضفة الغربية فهناك يبدو أن تظاهرات الاحتجاج على تصريح ترامب في طريقها الى التلاشي بسبب عدم اهتمام الجمهور، ولكن تمّ قتل الحاخام رزئيل شيفح من بؤرة «حفات غلعاد» في عملية لاطلاق النار في غرب نابلس. وردا على ذلك قام الجيش الاسرائيلي بنشر قواته وحاصر عدة قرى ووضع للمرة الاولى منذ سنتين حواجز حول نابلس – خطوات عقابية جماعية يفضل رئيس الاركان الامتناع عنها في الايام العادية، لكنه صادق عليها، الآن، بشكل محدود بسبب قتل المواطن الاسرائيلي.
رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، أعطى اشارات بأن «الشاباك» يقترب من حل لغز عملية القتل. ولكن لم يتم بعد الاعلان عن منفذ العملية. «حماس» و»الجهاد الاسلامي» نشرتا اعلانات تأييد للعملية، وبصورة استثنائية نشر ايضا اعلان باسم كتائب شهداء الاقصى، الذراع العسكرية لـ»فتح»، التي لم تنشط في الضفة الغربية في العقد الاخير، تتحمل فيه المسؤولية. الاعلان الذي نشر في صفحات الفيسبوك ينسب العملية لخلية باسم الشهيد رائد الكرمي، بمناسبة ذكرى استشهاده. الكرمي هو رئيس الذراع العسكرية في طولكرم، والذي كان مسؤولا عن قتل مواطنين وجنود كثيرين في الانتفاضة الثانية. وقد تمت تصفيته في 14 كانون الثاني 2002.

يأس داخل «فتح» 
قدّم تصريح ترامب لرئيس السلطة امكانية التملص المؤقت، لكنه ما زال في ضائقة. ففي تشرين الثاني الماضي وصلت معلومات مقلقة للفلسطينيين بأن مبادرة السلام التي تطبخها ادارة ترامب تميل بصورة كبيرة لصالح اسرائيل. صفقة القرن التي يتفاخر بها الرئيس الأميركي ستتضمن اقتراح بابقاء المستوطنات على حالها والاعلان عن أبوديس عاصمة للدولة العتيدة. بالنسبة لعباس هذه تنازلات غير مقبولة.
تصريح الرئيس الأميركي مكنه من اتهام الأميركيين بأنهم توقفوا عن أن يكونوا وسطاء نزيهين، وأن يجد له ملجأ لدى المشاركين في المؤتمر الاسلامي في تركيا وأن يتهرب من أي نقاش حول استئناف المفاوضات. ولكن تأجيل اجراء المحادثات الى موعد غير معروف لم يوقف سيل المشاكل التي يواجهها الزعيم الفلسطيني. وكالة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للامم المتحدة وقعت في ازمة اقتصادية خطيرة حتى قبل تهديدات الادارة الأميركية بتجميد نصيبها فيها. هذه الازمة، بالمناسبة، تقلق الاردن ايضا الذي يعيش فيه على الاقل ثلاثة ملايين لاجئ فلسطيني واحفادهم. إن تدفق الاموال من الدول المانحة الى «المناطق» آخذ في النقصان، في الوقت الذي توقفت فيه فعليا المصالحة بين السلطة الفلسطينية و»حماس».
في الوقت ذاته، يزداد اليأس داخل «فتح» – بدءاً من صفوف النشطاء الميدانيين وحتى القيادة القديمة – من احتمال تطبيق حل الدولتين. اسرائيل تحتج على تصريحات شخصيات رفيعة في «فتح» لصالح الكفاح المسلح. مؤخرا، قامت اسرائيل باعتقال جنرال فلسطيني متقاعد بزعم أنه نظم تظاهرات احتجاج في شرقي القدس. في الاسبوع القادم يتم التخطيط لعقد اجتماع للمجلس المركزي، يتوقع أن يظهر المشاركون فيه خطا قتاليا.
في قطاع غزة، تبذل في هذه الاثناء جهود كبيرة يشارك فيها الكثيرون من اجل احتواء العنف والامتناع عن تدهوره الى مواجهة عسكرية. في ظل إطلاق الصواريخ من قبل التنظيمات السلفية، اعلنت اسرائيل والسلطة الفلسطينية عن تحويل اموال اضافية من السلطة لتمويل تزويد الكهرباء من اسرائيل الى القطاع. منذ بداية الاسبوع لم يكن أي اطلاق للصواريخ، لكن الوضع بقي هشا. الجيش الاسرائيلي زاد أجهزة الحماية حول المستوطنات قرب الحدود، ويزيد اجراء المناورات التي يتم من خلالها فحص التعامل مع تسلل «مخربين» للقيام بعمليات اختطاف وقتل داخل اسرائيل عن طريق نفق. رئيس الاركان شاهد مناورة لارسال وحدة خاصة للتعامل مع سيناريو كهذا، هذا الاسبوع.
في خلفية هذه الاحداث بقي حساب مفتوح لـ»الجهاد» على قتل نشطائه ونشطاء «حماس» في تفجير النفق على الحدود في تشرين الاول الماضي. في نهاية تشرين الثاني اطلق نشطاء «الجهاد الاسلامي» اكثر من عشرين قذيفة بقطر 120 ملم خلال اربع دقائق تقريبا على موقع مراقبة للجيش الاسرائيلي قرب سدروت (الجنود كانوا موجودين في موقع محصن ولم يصب أحد). بعد شهر تقريبا تم اطلاق قذائف، كما يبدو أطلقها «الجهاد»، على كيبوتس «كفار عزة» اثناء الاحتفال بذكرى الرقيب اورن شاؤول. افتراض الجيش هو أنه ستكون هناك محاولات اخرى.
عدد الطائرات بدون طيار الكبير التي يطلقها مؤخرا الفلسطينيون في السماء قرب الحدود من شأنه أن يشير الى جمع معلومات تمهيدا لعمليات. في اسرائيل يقظون ايضا للتقارير الاخيرة التي تأتي من سورية حول هجمات من طائرات بدون طيار غامضة، تم استخدامها ضد قاعدة جوية روسية في شمال الدولة. هذه تكنولوجيا توجد الآن ايضا في متناول يد التنظيمات في قطاع غزة.

سورية على سبيل المثال
الحرب الاهلية السورية، التي ستدخل في آذار، السنة الثامنة لم تنته تماما. نظام الاسد، الذي أعاد سيطرته على معظم التجمعات السكانية في الدولة، ما زال يتصادم مع المتمردين في جيب ادلب في شمال سورية، ويستعد لهجوم مستقبلي لاقصاء المتمردين عن «المناطق» الحدودية مع اسرائيل في هضبة الجولان. إن الهجومين على القاعدة الروسية في «حميميم» (سبق الطائرات بدون طيار قصف راجمات، اصيب فيها عدد من الطائرات والطائرات المروحية) يبرهنان على أن جزءا من التنظيمات مصمم على مواصلة القتال ضد الاسد وحلفائه.
الحرب في سورية بدأت بالاحتجاج في درعا في جنوب الدولة، على الصعوبات الاقتصادية للفلاحين التي تمس بمصادر رزقهم. وسائل القمع الوحشية لنظام الاسد أدت الى انتشار الاحتجاج في ارجاء سورية، وسرعان ما تدهورت الامور لتصل الى حرب اهلية تنبش فيها حتى الآن دول اجنبية كثيرة. احيانا توجد لحالة الحرب المستمرة تداعيات على عالم الطبيعة ايضا. في الاشهر الاخيرة حدثت زيادة في عدد حالات داء الكلب في اسرائيل، في الاساس في شمال البلاد. احد التفسيرات المحتملة يرتبط بانتقال الثعالب المصابة من الاراضي الاردنية والسورية. سورية شهدت في هذه السنوات انهيارا كاملا للسلطات المدنية، وبالتأكيد الخدمات البيطرية. في الوقت الذي لا يوجد فيه تحصين منهجي فان الدولة المجاورة ستتضرر.
الدولة الشرق اوسطية الثانية التي تشهد حربا اهلية خطيرة، وبصعوبة تحظى بعشر الاهتمام الذي تحظى به الحرب السورية، هي اليمن. الحرب في اليمن تجري منذ ثلاث سنوات تقريبا. حوالي ثلاثة ملايين من بين 28 مليونا من السكان غادروا الدولة وتحولوا الى لاجئين. اكثر من نصف الباقين يعانون من مشكلات في التزود المنتظم بالمواد الغذائية. ومؤخرا قدرت الامم المتحدة أنه على الاقل هناك مليون مواطن اصيبوا بمرض الكوليرا، وهو مرض ينتقل بسبب المياه الملوثة أو الغذاء الملوث.
هذه امور يمكن أن تحدث بسهولة ايضا قريبا من البيت. في نهاية الشهر الحالي من المتوقع أن يجري الاتحاد الاوروبي نقاشا طارئا في بروكسل حول الازمة الانسانية الشديدة في قطاع غزة. في جهاز الامن الاسرائيلي يصادقون على التقارير المتواصلة للمؤسسات الدولية بشأن استمرار انهيار البنى التحتية المدنية في القطاع، وعلى رأسها المياه والصرف الصحي. مياه المجاري من غزة التي تتدفق مباشرة الى البحر تصل ايضا الى شواطئ عسقلان واسدود. وقد سألت، مؤخرا، مصدرا إسرائيليا رفيع المستوى: ألا تخشى من انتشار أوبئة مثل الكوليرا ايضا في القطاع، فأجاب: «في كل صباح اكون متفاجئا من جديد أن هذا لم يحدث».

عن «هآرتس»
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


آراء
طلال عوكل
أكثر من هدوء وأقل من حرب
آراء
عبد الغني سلامة
مهن المستقبل
دفاتر الأيام
غسان زقطان
الفتية في موقعة الجبل
اقرأ المزيد ...