آراء

في الـســودان... هــنــاك «عــوجـــة»

صادق الشافعي

2018-01-13

"ما في عوجة يا زول"، يقولها لك السوداني بلهجة محملة بالود والسماحة والبسمة الرائقة، وربما معها التسامح. ويعني بها ما يقابلها في اللهجة المشرقية "ما في مشكلة".
الآن، هناك الكثير من "العوجة" في الأوضاع السودانية العامة.
فبعد 28 سنة من ثورة الإنقاذ التي وصلت إلى الحكم عام 1989، بانقلاب قام به تحالف العسكر مع حركة الإخوان المسلمين (حزب الترابي) وتحت راية حركة الإخوان لا يزال هناك الكثير من "العوجات" تطال الوطن والمواطن في الكثير من مناحي الحياة الخاصة والعامة.
بعد أشهر قليلة من وصول التحالف المذكور" ثورة الإنقاذ" إلى الحكم أقسم أحد الناطقين باسمها في ظهور تلفزيوني، أنه لولا قيام الثورة لارتفع سعر صرف الدولار من 12 جنيهاً سودانياً إلى 18.
في أوائل العام 1991، كان سعر صرف الدولار قد وصل إلى 58 جنيهاً، (نتحدث هنا عن الجنيه في ذلك الزمن وقبل أن تتم إعادة تقييمه وإنزال قيمته بنسبة عالية)، واستمر الدولار صاعداً يحلق في العلالي بلا توقف. ألا يكفي هذا ليشكل لوحده مؤشراً معبراً عن "عوجة" في اقتصاد السودان، ودونما اضطرار لبحوث ودراسات اقتصادية؟ أما إذا أضفنا إليه مظاهرات الخبز التي تعم السودان في الأيام الأخيرة فإننا نتجاوز "العوجة" لندخل إلى "أزمة" تضرب هذا الاقتصاد.
لا تقتصر "العوجة" بدرجاتها المتفاوتة والتي قد تصل حد الأزمة على الاقتصاد، بل تكوي بنارها الوطن والمواطن في عدد من المجالات الوطنية والحياتية الأساسية. أولها انسلاخ نصف الوطن تقريباً - جنوبه- عن جسم الوطن.
 تكوي "العوجة" المواطن، إضافة إلى خبزه وقوت يومه ووحدة أراضيه، حرياته الخاصة والعامة، بدءاً من حرية التعبير وصولاً إلى حرية التجمع وحرية الصحافة وحرية المنظمات الشعبية والاتحادات المهنية. لقد مثل السودان واحدة من أفضل، إن لم يكن أفضل، التجارب الديمقراطية الشعبية في الوطن العربي على امتداد سنوات الستينيات والسبعينيات ومعظم الثمانينيات.                                                                                                               كانت اتحاداته ونقاباته الأكثر تعبيراً وحيوية ونشاطاً داخل الوطن وبالذات اتحادات العمال والمرأة والطلاب، وكانت الأكثر حضوراً وتمثيلاً على المستوى الدولي (الأمين العام لاتحاد نقابات العمال الدولي، السكرتير العام لاتحاد الطلاب العالمي، عضوية الأمانة العامة لاتحاد الشباب الديمقراطي العالمي واتحاد النساء العالمي و..) كانوا سودانيين.
وتكوي "العوجة" الوطن في عدم نشر السيادة الوطنية ظلالها الموحدة على كل أطراف الوطن وأقاليمه ومكوناته واستمرار وجود حركات متمردة وربما انفصالية بغض النظر عن صحة مبرراتها ودرجة اتساعها.
وتكوي "العوجة" الوطن والمواطن في عدم تداول السلطة بشكل دوري وفي مدد زمنية محددة. إضافة إلى النزاع غير الديمقراطي والأمني الذي قام بين طرفي تحالف الحكم المكون للسلطة ( العسكر وحزب الترابي)، وأدى إلى إخراج حزب الترابي وانفراد العسكر بالحكم.
وما زال حكم العسكر، والحزب الذي شكلوه بعد ذلك، يدور في فلك حركة الإخوان المسلمين ويؤكد الانتماء لها، ويشكل ملاذاً لقياداتها وكادراتها الهاربين من ملاحقة سلطات أوطانهم، وقاعدة إسناد وإمداد لفروع الحركة الأخرى.
ويمثل انتماء الحكم لحركة الإخوان المسلمين والتزامه توجهاتها واحتياجاتها التفسير الأهم لعدد من سياسات الحكم السوداني المركزية، التي تقود السودان إلى مسارات نزاع لا ضرورات ولا مبررات وطنية تفرضها.
من هذه السياسات، توتير العلاقة مع مصر لدرجة تقترب من الصراع. سواء من مدخل إيواء قادة وكوادر حركة الإخوان المسلمين المصريين الهاربين من مصر والمعادين لنظامها والسماح لهم بحرية العمل والنشاط، أو من مدخل الخلاف على الحدود (حلايب وشلاتين) والوصول به إلى مستوى التأزيم بالاتهامات والادعاءات والمطالب. وبما يسيء كثيراً إلى العلاقة التاريخية الخاصة التي تربط السودان بمصر والشعب فيهما، ويخلق مشكلة لا مبرر لها بين البلدين. ودونما التفات إلى عشرات (إن لم يكن مئات) آلاف السودانيين المقيمين والعاملين في مصر.
ويبقى الاتفاق الذي عقده الحكم مع الدولة التركية على جزيرة "سواكن"، هو التعبير الأبرز على التزام الحكم بسياسات وبرامج ومصالح حركة الإخوان المسلمين. فقد أعطى الاتفاق لتركيا من التنازلات والامتيازات والصلاحيات والحقوق ما يقترب من التنازل عن سيادة السودان على الجزيرة المذكورة. وقد عمق بهذا التصرف الخلاف مع مصر لما تتخذه تركيا من مواقف وسياسات تجاه مصر والحكم القائم فيها.
لقد جاءت تصرفات الحكم السوداني في هذا الموضوع أقرب ما تكون إلى تصرفات الفرع في حركة الإخوان المطيع والملتزم بالمركز القيادي للحركة الذي يمثله في هذه الفترة واقعياً وعملياً الحزب المنفرد بالحكم في تركيا.
الشعب السوداني بما فيه من الطيبة والأصالة يستحق أفضل بكثير من واقعه الحالي. ولديه من الإمكانيات، وفيه من القدرات والكفاءات والمؤهلين ومن التجربة ما يستطيع به أن يحقق هذا الأفضل.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: