ترامب يمهّد الطريق لانتفاضة ثالثة

2017-12-07

بقلم: حيمي شليف

ظاهرياً، القرار الأميركي بالاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل و/ أو نقل السفارة الأميركية اليها يشكل انجازا سياسيا كبيرا لحكومة اسرائيل؛ لأن هذا القرار يحطم الاجماع القائم منذ العام 1949، وقد رفضت دول العالم الإعلان الاسرائيلي عن القدس عاصمة لدولة اسرائيل، ورفضت الاعتراف بها إلى حين التوصل إلى السلام.
رغم أن التفاصيل الدقيقة للاعلان الذي يتوقع أن يعلنه ترامب فيما يتعلق بخطواته المقدسية غير واضحة بما يكفي، فان قراره من المتوقع أن يعزز سيطرة اسرائيل في القدس وتقليص احتمال تقسيمها في أي يوم.
السؤال هو بأي ثمن؟ القرار من شأنه أن يدفن الأمل الضعيف لحدوث انطلاقة في العملية السلمية، ويمكن لهذا القرار اشعال حريق محلي واقليمي يضر بالمصالح الأميركية والاسرائيلية في الشرق الاوسط.
وهذا القرار سيمنح ايران الذريعة لإثارة وتحريض الرأي العام العربي ضد الزعماء العرب، وهذا القرار من شأنه أن يؤدي إلى اندلاع اعمال عنف تضعضع مؤسسات السلطة، التي استثمرت الكثير في تطوير علاقاتها مع ترامب. هذا القرار من شأنه أن يسفك دماء الكثيرين.
يمكن الافتراض أن ترامب لم يسمع في أي يوم عن «أساس وجودنا»، وهو التعبير الذي اتخذه نتنياهو من اجل تبرير قراره احادي الجانب بفتح نفق «الهيكل».
17 جنديا اسرائيليا وحوالى 100 فلسطيني قتلوا في الاحتجاج الذي اندلع، وتضررت مكانة نتنياهو جدا. علمت هذه الحادثة نتنياهو درسا يحمله معه، أو على الأقل حمله حتى الآن: لا تلعب مع القدس، فهي ستقوم بعضك في المقابل.
التغيير الخطير في السياسة الأميركية بالتأكيد سيمنح نتنياهو نقاطا في الرأي العام الإسرائيلي، ولا سيما اليميني، وهذه هدية ليست بسيطة في الوقت الذي يهبط فيه في الاستطلاعات وهو متورط حتى عنقه في التحقيقات.
في تناولهم لموضوع القدس فان إسرائيليين كثيرين نظروا إلى عدم الاعتراف بغرب القدس، على الأقل كإجحاف بارز.
وليس مثل البراغماتية لحزب العمل الذي أيد ما يسمى طريقة دونم هنا ودونم هناك، فان اليمين التنقيحي كان عاشقا منذ الأزل للخطابات، التصريحات، والهدايا، وبوادر حسن النية الرمزية.
كانت الاقوال دائما بالنسبة له جزءا لا يتجزأ من الافعال، واحيانا كانت تشكل البديل المرغوب فيه، ولكن الرأي العام متقلب. اذا اندلعت اعمال عنف وكلفت حياة بشر، فان مبادرة ترامب ومحاولة نتنياهو تشجيعها ربما تعمل ضدهم مثل البومرينغ. هناك حدود ربما لعدد الضحايا الذي يمكن اعتباره مبررا مقابل تصريح في نهاية الامر لن يغير أي شيء. إن رد معظم يهود الولايات المتحدة سيكون اكثر تعقيدا. من جهة، مؤيدو اسرائيل في الجالية اليهودية وضعوا القدس على رأس اولوياتهم، اكثر من المقبول لدى اخوتهم الاسرائيليين.
بسبب هذا فان معظم المرشحين للرئاسة تعهدوا بنقل السفارة، رغم أنهم عرفوا كيفية التمييز بين البلاغة الكلامية المستخدمة للحملة الانتخابية وبين إدارة سياسة خارجية عقلانية.
ولكن يهود الولايات المتحدة أيضا يحتقرون ترامب أكثر من الإسرائيليين، وسيعانون الآن من التنافر المعرفي في محاولة الملاءمة بين تجسد حلمهم وبين حقيقة أن ترامب المكروه بالتحديد هو الذي مكّن من ذلك.
أغلبية زعماء العالم يضغطون على ترامب من اجل الامتناع عن القيام بهذه الخطوة التي ستشعل المنطقة. فهم يخشون من أن تغيير الوضع الراهن في القدس يمكن أن يجبي ثمنا باهظا من المنطقة.
الاصدقاء الجدد لترامب في الشرق الاوسط – على رأسهم الاردن والسعودية اللتان تعتبران أن لهما علاقة خاصة بالقدس - حذرتا ترامب، أول من أمس، من التداعيات المتوقعة. اذا قرر تجاهل رأي هذه الدول والمضي قدما فان لذلك سببين اساسيين.
السبب الاول هو أن ترامب خضع للضغط من قبل مؤيديه الافغنلستيين وهو يدفع الثمن من اجل الحفاظ على ولائهم. هؤلاء يمكنهم الآن تصويره كأداة للخالق على الارض من اجل تبرير دعمهم للرئيس، الذي يمثل نقيض ما يدعون اليه. متبرعون كثيرون مثل شلدون ادلسون ساهموا بنصيبهم ايضا بالتأكيد، وبالمساعدة السخية لسفير اسرائيل لليمين الأميركي المهووس، رون ديرمر، ونظيره دافيد فريدمان، سفير المستوطنين في القدس.
السبب الثاني هو أن ترامب يتجاهل اشارات التحذير، خلافا لأغلبية السياسيين، وهو لا يرد بصورة جيدة على الادعاءات المنطقية والتبريرات المقنعة. وهو يستمتع باثارة المشاكل والتنكيل بالسياسيين والدبلوماسيين، وهذه صفة سبق لها أن أحدثت شرخا بين واشنطن وحلفائها المخلصين في غرب اوروبا. ومثل فضائح اخرى مرتبطة به، فان ترامب يثير ضجة في القدس، في الاساس لأنه يستطيع.
السيناريو المتفائل هو أنه بعد اخلالات محدودة للنظام فان النظام سيعود الى ما كان عليه وسيخرج نتنياهو وترامب من هذه القضية بضحكة متعجرفة تقول: «لقد قلنا لكم». السيناريو المتشائم هو أن الاعلان عن نقل السفارة الأميركية سيثير غضب الفلسطينيين الذي سيحرر الاحباط وأسبابا اخرى للغضب تراكمت في السنوات الاخيرة.
وهكذا سيتم تمهيد الطريق لانتفاضة ثالثة، بكل ما يعنيه ذلك. إن تطورا كهذا سيعرض للخطر استمرار بقاء السلطة الفلسطينية. السيناريو الاسوأ هو أن العنف سيمتد بتشجيع ايران ايضا الى العواصم العربية وسيمس بالانظمة المعتدلة كما يبدو، التي تعني ترامب جدا.
الرأي العام في اسرائيل يتوق إلى الاعتراف بالقدس، لكن إذا كان الثمن اعمالا دموية وعدم استقرار اقليمي وراديكالية فلسطينية ونجاحا دعائيا لايران، عندها سيكون الرد الصهيوني المناسب هو القول لترامب: «لا تصنع لنا معروفا».
عن «هآرتس»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: