"برة في الشارع" .. عن كابوس المصنع

2017-11-14

حنين عودة الله

مدخل
ركام إسمنتي، أوعية ضخمة وصدئة
سلالم منهالة، فتحات بلا نوافذ وأبواب
زقزقة عصافير
صور مبكسلة، بتعريض مفرط
أشلاء مكان
وصوت في الخلفية يروي:
كان كل صباح
يتقابل العمال
في داخل المصنع...
كهاوٍ باحث في أسطورة حضرية، يتقدم بطل هذه الرواية في تسجيل، بلا عنونة، ليوثق تاريخ مكان شهد مآسي صراع عاشه المصري في يومه العادي قبل هدمه.
هكذا يبدأ فيلم «برة في الشارع» (2015)، من إخراج ياسمينة متولي وفيليب رزق بـ»تسجيل مكتشف» وهي تقنية اعتيدت في أفلام الرعب، يصوِّر مكاناً هُجِر منذ زمن، وبطلاً غير مرئي.  إنه خلف الكاميرا، جاعلاً إياها تأخذ دور الشخصية.  وعقب بياض يكتسح الإطار، ينتقل هذا البطل غير المرئي إلى مكان معالمه أكثر وضوحاً، يرقب الأرض التي حملت خطواته، يتلفت أعلاه ويدور حول نفسه.  كالمتسلِّل إذن، يدخل حدود رواية حبكتها مخيلته في استحضار الحياة إلى المكان من جديد.

المصنع
- «اليوم الخراب يخيم على المصنع...»
يدخل البطل عالم الرواية، متقدماً ببطء وحذر المستكشف.  تُفْتَتَح الأحداث بجلسة تتكوّن من شخصيات غير معرّفة.  إنهم عمّال، يروي أحدهم حادثة؛ يبدأ نهاره وتبدأ معه أولى الصراعات والتعنيف.  ومن الجلسة إلى خيال العامل أو البطل-الكاميرا، أو كليهما.  هنا يظهر العنوان ويبدأ الفيلم.  يتأمل البطل-الكاميرا ملامح شخصياته، ببدائيتها أو حدثها في المحيط.  إنها، في الغالب، وجوه مألوفة من حياته، وجدت مكانها في روايته من معرفته بطباعها وفيزيائيتها.  في بلاهة المبتدئ، تشرع بطقوسها لبناء عالمه البصري حيث ستقع الرواية، بإيماءات أشبه ما تكون بـ»بُلَهاء» لارس فون ترير (1998).  هنا اجتمعت الشخصيات كموضوع بذاته، لتبدأ الصراعات بينها، وتتواتر، ويتضاعف معها وعي أقطاب هذه الصراعات: المستغلِّين والمستغلَّين، في عمل هو أقرب إلى وثائقي-كاذب/موكيومنتاري (Mockumentary) ذي جدِّية جوهريّة.  يتسلسل ويتداخل الفيلم في مجموعة لقطات: يُطرد عم حسن الذي لم يعد مجدياً بتقدم عمره ووضعه الصحي المتردي، ويُعتقل غيره تعسفياً، ويطرد آخرون.  يرقب العمّال تجبر الإدارة، وعدم اكتراثها، أثناء سقوط أقرانهم، واحداً تلو الآخر، إلى أن يفرط جبروت المدير.

«هل يرضيك الذي حصل لعم حسن؟»
المصنع صامت، والآلات ساكنة.  يهرع المدير لإفراغ كرسي لعميل يتلقى طلبه من البضائع، إلا أنه لا يجد من العمال من يجهِّز الطلب؛ لقد فرغت قاعات العمل، وبدل ذلك تجمهر العمّال أمام المصنع معتصمين.
من هنا يبدأ جدال لا ينتهي بين المدير الذي يرتجف خوفاً على خسائره، والعمّال المطالبين بأدنى الحقوق، في حين يواصل بطلنا-الكاميرا التفافه بين حوارات وجدالات الصراع.
يتخلل الفيلم لحظات تترك الُمشاهد معلقاً في الهواء، داخل واقع البطل-الكاميرا، وروايته التي في مخيلته، ثم إلى بعد آخر، ينطوي على واقعية في الخيال فرضها الموضوع وحملها الفيلم.  فجأة تظهر الكاميرا، الطاقم، أشرطة التدريب المعروضة، والشخصيات تشاهد نفسها على أجهزة العرض، أو أخرى من الواقع تخوض المقابلات الصحافية.  كل هذا يُضفي بعداً توثيقياً يؤكد الفيلم كشاهد واقعي وتاريخي.
العمال يصمدون في الاعتصام، والمَكَن يواصل سكوته، بينما يبقى المدير مديراً عليه
- «تفتكر النهاية إيه؟»
أسئلة يطرحها العمال في مصير المصنع، والآلات أو المَكَن؛ بين تفكيكها بيدهم وبين انتظار لحظة يرضخ فيها أسياد المصنع لمطالبهم، أو «يخربونها ويبيعونها؟».
ثم عودة إلى واقع البطل-الكاميرا، لا زال يتجوّل بين ركام مسرحه.
هكذا يطرح الفيلم أسئلته الخاصة عن طريق استنساخ موجوداته البصرية، حيث تتكرّر الوجوه وتتقاطع المساحات وتتبادل المرجعيات مواقعها؛ المستغَل في موقع المستغِل لبرهة من الزمن، يليه انهيار المصنع، ومصنع آخر، وآخر، بينما الأسئلة ذاتها تتردّد: هل يعود المدير أدراجه ليجد نفسه «العامل»؟ وهل بيع المصنع مرة أو مرتين قبل أن «يعمه الخراب»؟ وهل تم الاعتصام فيه مرة أخرى؟
الرد الوحيد الذي يؤكده الفيلم أو الراوي، أنه ما دام المصنع بيد من طُرِدوا من مواقعهم فيه، فهو بخير، فكما قال العامل «س»: «الناس اللي اتفصلت... المجروحة، هي اللي حتخلص». «وهذا هو حال مصر»، يقول العامل «س».

 

______________________

يعرض فيلم «برّة في الشّارع» بحضور المخرج فيليب رزق، يوم السّبت 18/11/2017 الساعة 6:00 مساءً في مركز خليل السكاكيني الثقافي بمدينة رام الله، ضمن برنامج «حياكة»، وهو مشروع تقوم عليه عدنية شبلي ومن فكرتها.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: