حــيــاكـــــة

2017-11-14

عدنية شبلي

في الثاني من كانون الثاني 2017، اتجهتُ برفقة صديقة إلى قرية عابود.  وما أن انعطفت السيارة التي كنا نستقلها لدخول الطريق المؤدي إلى القرية، حتى وُوجهنا بنقطة تفتيش إسرائيلية تغلق المدخل في وجه العابرين.  أوقف الجنود السيارة، واقترب أحدهم سائلاً عن وجهتنا.  «عابود» كان الرد.  «والسبب»؟ سأل، معقِّباً «لا يوجد شيء في عابود».
من منظور الجنود الذين يتمترسون في نقطة محددة خارج القرية، لا يوجد شيء في عابود، عدا عن الأرض بالطبع، إذ سرعان ما سنكتشف أنه في صباح ذلك اليوم، قام الجيش الإسرائيلي، مدعوماً بقرارات من الحكومة الإسرائيلية، بمصادرة 35 دونماً من أراضي القرية «لأسباب أمنية»، التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى مشروع مستوطنة جديدة.  وهنا بدا إنكار الجندي الذي واجهناه على نقطة التفتيش لإمكانية وجود أي شيء في عابود، وكأنه شرط مسبق وضروري لعملية مصادرة الأرض هذه؛ شرط يستوجب معه نفي كل أشكال الحياة المعاشة على هذه البقعة.  إن هذا الفعل، كفعل تدمير وحتى سلخ، هو بصيغة أخرى على وفاق تام مع موقف الجندي على نقطة التفتيش: لا يوجد شيء في عابود، بينما سنحرص على ألا يكون هناك أي شيء في عابود.
الموقف الذي يتبناه الجندي الإسرائيلي قد يصف لسان الحال الذي آل إليه الكثير من الفلسطينيين أيضاً.  ففهمهم لما قد يوجد في القرية مرتبط بواقع وجودهم خارج ذلك الحيز.  ربما قد مروا بمحاذاته، أو عبروا من خلاله، ولكنهم قلما تواجدوا داخله، فهنالك الحاجز المثير للرعب ولقتل أي فكرة لمحاولة الدخول إلى القرية.  وعليه، يجوز القول إن هذا الموقف لا ينتمي إلى المنظومة القمعية وحدها، بل يتجاوزها ليسيطر على مخيلة المقموعين، وهنا يكمن مصدر فاعلية القمع.
كيف يمكننا مواجهة منظومة قمع كهذه بالتحديد، القائمة على تجزئة الحيز الفلسطيني والمخيلة العامة لدينا كفلسطينيين؟ قد يجد المرء إجابة ممكنة في فعل الحياكة مثلاً، أو التطريز الذي نألفه بحميمية منذ نشأتنا.  الحياكة والتطريز يتخذان من نقاط غير مترابطة نقاط انطلاق ووصول وشبك، لإنتاج رسم ما.  بذلك، عبر منهجية الحياكة، يمكن للنقاط والحدود التي نواجهها أن تتحول من عائق يصعب فيزيائياً وحتى فكرياً تجاوزه، إلى رسم ملهم فكرياً وحسياً؛ رسم لا يمكن لأنظمة السلطة والقوة تصوره أو إنتاجه.
على هذه الخلفية، نشأت فكرة الشبكة الإبداعية، بنسختها الأولى «حياكة»، وهي عبارة عن لقاءات ومحادثات وجولات تمتد على مدى أسبوع، يجتمع فيها فاعلون من قطاعي الثقافة والفنون، إضافة إلى قطاعات أخرى، كالزراعة والبيئة، من خلفيات متعددة وأماكن مختلفة من فلسطين وخارجها، ليتجولوا بين مواقع مختلفة داخل فلسطين.  بفعلهم هذا، يحاولون تأمل أفعال وحركات تتحدى حدوداً فرضت على الوجود الفلسطيني بوسائل العنف، أو نتجت عن حالة يأس ووهم «عدم المقدرة» المكتسب لدى المضطهَدين والمقموعين.  كذلك عبر إعادة انخراطهم مع الجغرافيا الفلسطينية بمشاهدها السياسية والاجتماعية، الثقافية والاقتصادية، سيعيدون طرح تساؤلات تبحث عن وتستكشف أشكالاً بديلة لمفاهيم إنسانية باتت مصيرية بالنسبة للكثيرين في وقتنا الحالي.  ففي زمن تسود فيه القيم النيوليبرالية وعلى رأسها المصلحة الذاتية، على المخيال الاجتماعي وأنماط الحياة السائدة، وفي الوقت الذي نرى فيه فكرة الدولة القومية في أماكن مختلفة من العالم تستعيد ذاتها كإطار سياسي مرجعي أسمى بدعم نهضة اليمين القومي، يصبح من الضرورة استكشاف مفاهيم إنسانية وأشكال وجود خارج هذه الأطر، وتخيل أنماط فكرية ووجودية مختلفة، وعلى وجه التحديد في فلسطين.  في سياق هذه الحالة، تظهر فلسطين كمكان مثالي لاستكشاف مثل هذه المفاهيم والأشكال وحتى الآفاق «الممنوعة»، وطرائق وجود مقاوِمة، آخذة بعين الاعتبار إطار عمل الدولة القومية بالصورة التي تمارسها دولة إسرائيل، وما تحتويه من عنف موجه ضد الذات الفلسطينية من جهة، وهيمنة النيوليبرالية وثقافتها الأحادية التي تحاول تطبيع الحياة تحت أقصى ظروف العنف والاضطهاد من جهة أخرى، ما يجعل افتراض طرائق مغايرة للوجود والتخيل مسألة حياة أكثر منه خياراً سياسياً، أو حراكاً فنياً.
«حياكة» هي، إذن، فعل ودعوة في الآن ذاته، إلى الانطلاق في عملية تبادل أفكار بين مفكرين، وفنانين، وأعضاء مجموعات، ومبادرات، ونوادٍ ناشطة، من فلسطين وخارجها، ليخطوا في حقل ينفتح على آفاق مغايرة، ولينقبوا بحثاً عن أنماط جديدة للوجود، واقعة خارج نطاق منظومة «السلطة» والمؤسسات.  هذا هو حقل يسعى إلى أن يتيح خلق ظروف وجودية وفكرية بمنأى عن التهديد والإغواء المفروض من قبل التيار العام والسلطات المركزية، التي تعمل جاهدة على الإقناع بعدم جدوى البحث خارج حدود نطاقها عن أي احتمالات أو فرص مغايرة.  إنها رغبة في خلق صلات قادرة على الإلهام ما بين المبادرات الحياتية التي نصادفها في فلسطين اليوم، وأخرى تحاكيها في توجهها في أماكن أخرى من العالم كتشيلي، والسنغال، والهند، ومصر، وألمانيا، واليونان ... مثالاً.
 

______________
حياكة، برنامج من اللقاءات والمحادثات والجولات والعروض الفنية الممتدة على مدى أسبوع، وتستمر من 18 وحتى 25 تشرين الثاني 2017، ويجمع معاً مفكرين، وفنانين، وأعضاء مجموعات ومبادرات تطوعية، ونوادٍ ناشطة، من فلسطين وخارجها، بتنظيم من البرنامج العام في مؤسسة عبد المحسن القطان.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: