"ليثيوم" لتميم هنيدي .. قصص قصيرة من وحي مرض نفسي نادر

2017-11-14

كتبت بديعة زيدان:

في نهاية مجموعته القصصية "ليثيوم"، الصادرة عن منشورات المتوسط، وتنافس على جائزة الملتقى للقصة القصيرة لهذا العام، وتحت عنوان "خاتمة ضرورية"، كتب القاص السوري الشاب تميم هنيدي موضحاً: حدث منذ عشرة أعوام أن كنت شاهداً على تغير مفاجئ في حياة إحدى الصديقات. لاحظت ابتعادها، ثم انعزالها التام، فاختفاءها أسابيع طوالا، ليصبح التواصل معها مستحيلاً بشتى الوسائل. هكذا إذن ودون أي مقدمات لم تعد موجودة في حياة الكثيرين. لم أفهم السبب، بالرغم من أنهم قالوا آنذاك إنه "اكتئاب حاد". لم يكن الاكتئاب في مفهومي الخاص سوى "مزاج سيئ" قابل للسيطرة، فيما لو كان الشخص قوياً ومتماسكاً. انتظرتها قليلا، ثم مضيت دونما التفات الى الوراء. ابتعدتُ وغرقت في صخب الحياة مجدداً. علمت لاحقا أنها تعاني مما يعرف بـ "الاضطراب الوجداني ثنائي القطب" أو (Bi Polar Disorder)، وأذكر أنني أيضا لم أكترث، فكان هذا الأخير مبهماً تماماً بالنسبة لي، ولم أعرف إن كان هناك أساس ما قد يبرر اختفاءها الطويل الذي بدا، وكأنه لا يتعدى الـ "مزاجية" واللامبالاة.
وأضاف: مضت أعوام طوال حتى اصطدمت بهذا المرض مجدداً وجهاً لوجه، وبمحض الصدفة. وكان اللقاء الأخير هذا كافيا حتى أغوص في أعماق هذا العالم المثير للاهتمام. بحذر بدأت أربط الخيوط بعضها البعض، وأكشف خفايا هذا الاضطراب وتفاصيله، بكثير من الاهتمام. علمت حينها أن للمرض وجهاً آخر معاكساً تماماً للاكتئاب الذي عرفته سابقاً. وهكذا أصبح الاسم "ثنائي القطب" أكثر منطقية بالنسبة لي.
"ليثيوم" هي بطاقة تعريف بالمرض، بأسلوب قصصي بعيد عن التوعية الطبية التقليدية. هي قصص خرجت من مرارة الواقع، وحملت تفاصيل كثيرة من زوايا الذاكرة المظلمة للمرضى وذويهم. هي رحلة نخوضها معاً، والحديث من خاتمة هنيدي، وندخل من خلالها إلى عالم يعيش فيه الملايين، مقفلين فيه الباب على معاناتهم مخافة أن تجلب العار والسمعة السيئة.
وما قاله هنيدي يظهر جلياً في القصة المعنونة بـ"عائلة المعلم جبر"، وهي عائلة لبنانية يعاني أبناؤها من المرض محور المجموعة القصصية، إلا أن الأب يرفض الاعتراف بأن ابنه مريض نفسياً، حيث كانت جدته أم والده (نائلة) مريضة عقلياً ايضاً، واعتبر خروجها إلى الشارع فضيحة بين الناس، لم يرغب بتكرارها في حالة أبنائه.
تعرض الام فكرة استدعاء طبيب نفسي، إلا أن الأب يرفض بشدة، حيث لا يريد ان يعيد تذكير الناس بالعار القديم كما يصفه، أي مرض والدته وما رافقه من تصرفات غريبة صدرت عنها امام العامة.
يختفي الابن ذات يوم، ليعثر عليه الاهالي جثة هامدة ومن حولها الكلاب الضالة، في اشارة توحي في الغالب الى انتحاره، وإن كانت مفتوحة، ولو بدرجة أقل، على تأويلات أخرى.
واللافت أن جميع شخوص "ليثيوم" من فئة الشباب: ذكوراً وإناثاً، وهو ما أعطى مضامين المجموعة حيوية من نوع خاص، وجعلها بمثابة ناقوس خطر لجيل يشكل "أمل الأمة" كما يقولون في الخطابات السياسية، وبالأرقام الغالبية العظمى لسكان الدول العربية، وخاصة في بلاد الشام.
واستطاع هنيدي المولود في العام 1989، ويعيش في أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة، التعاطي مع موضوع معقد بلغة سردية سلسلة وأنيقة اتكأت على خبرة الكاتب الذي شكل هنا ما يعرف بالراوي العليم، متقمصاً الشخوص بدقة وحساسية كبيرتين، ما جعل من "ليثيوم" المجموعة القصصية، مادة أدبية رفيعة المستوى.
المجموعة تضم ثلاث عشرة قصة ما بين قصيرة وقصيرة جداً، تبدأ بـ"الثور" وتختتم بـ"سوء تفاهم"، وبينها "ليثيوم" التي تحمل المجموعة اسمها، تتمحور حول حكاية شابة مصابة بذات المرض تحاول الانعزال عن شاطئ بحر ما، تراقب الناس دون مشاركتهم أطراف الحديث، إلا أن الخمسيني "سليم محمد" يحاول اقتحام عزلتها، بأن يعرفها بنفسه، ويحاول الحديث إليه، لكنها لم تبد أي تعبير يشي بأنها لاحظت وجوده من الأساس، فكما يقولون في المثل الشعبي "لا من تمها ولا من كمها" .. الراوية هي المريضة الشابة، والتي تصف الخمسيني بـ"الكتلة الجليدية"، قبل أن تنطلق للحديث عن محاولات الأب على مدار سنوات ماضية بعلاجها مستعيناً بالشيخ مصطفى وما يقرأه من آيات قرآنية، وحين رفضت مقابلة الشيخ، وأجبرها والدها على ذلك، خرجت حافية القدمين، ترتدي "شورتاً" قصيرا و"صدرية سوداء"، لتدفعها والدتها بقوة سقطت إثرها على الأرض، ليقاطعها الأب دون أن تبدي أي اكتراث لذلك، وتدخل في عزلتها مجدداً.
تحاول صديقتها اللبنانية إخراجها من عزلتها باصطحابها إلى معرض فني، وهنا يبرز "التكنيك" في الحكاية، حيث يظهر "سليم محمد" بصفته الفنان التشكيلي صاحب المعرض هذه المرة، بينما هي مستمرة أمام لوحة من لوحات المعرض تحمل اسم "ليثيوم".
ولفتني في المجموعة قصتان لا تتجاز الواحدة منها الصفحة، الأولى بعنوان "قناع"، والثانية، وهي الأخيرة في المجموعة بعنوان "سوء تفاهم"، وفيها يحدثنا هنيدي عن فتاة تنتظر رسالة او مكالمة هاتفية من حبيبها الذي اختفى تماماً، و"انقطعت اخباره"، وتريد الاطمئنان عليه لا اكثر، في الوقت الذي يجلس هو يتابع مؤتمراً صحافياً متلفزاً، ويلتهم "المكسّرات"، ولا يريد الرد عليها، فقط لأنه يريد التهرب منها.
أما "قناع"، فهي ايضا حول فتاة تظهر قوة شخصيتها في العمل والشارع ومع الاقارب والزملاء، ولكنها في الحقيقة، وبمجرد وصولها إلى بيتها تخلع قناع القوة، وترتمي على الارض في نوبة من البكاء.
وقال تميم هنيدي: تجسد هذه المجموعة إحدى المحاولات القليلة جداً لمقاربة هذا المرض بطريقة ادبية، وذلك كفيل بأن يكون مبعثاً للفخر والقلق، في آن، فهذه القصص لم تعد ملكاً لأصحابها أو لكاتبها. هي الآن بين أيدي القراء يقلبونها، ويبدون فيها الآراء المختلفة. وأنا أنتظر في الخفاء.
وكشف: قررت عدة مرات العزوف عن فكرة تحويل هذه الحكايات إلى نصوص سردية تحملها مجموعة قصصية، لكنني لم أستطع. كان ثمة ما يدفعني للمضي قدماً لإتمام ما أراه الآن كتاباً مكتملاً.

وختم هنيدي في حديث خاص لـ"أيام الثقافة": أحيانًا أجلس إلى نفسي متسائلًا؛ كيف بدأ هذا الشيء الذي لاحقًا أصبح "ليثيوم" ؟ ولا يخطر لي سوى الليلة التي سهرتها محملقًا في شاشة الـ"لابتوب" أقرأ عن المرض النفسيّ الذي ذَكَرَتْهُ أمامي يومها تلك الصبية الفاتنة، حين سألَت " سمِعِت بالباي بولار من قبل ؟". كانت الصفحات الأولى كافية كي أعرف أنني أصبحت أسير هذا العالم العجائبيّ لبعض الوقت، وهكذا، بدأت الرحلة البحثية التي استغرقت أشهرًا طويلة في عالم الاضطراب الوجداني ثنائي القطب، بين القراءة والمشاهدة والمقابلات الشخصية.. أردتها رواية، في البدء، ثم راحت الحكايات والتفاصيل والشخصيات تتدفّق إليّ لتحوّل روايتي إلى مجموعة قصصية تضم ست عشرة قصةً تنوّعت أحجامها، ليتقلّص هذا الرقم لاحقًا، وتخرج مجموعتي "ليثيوم" إلى النور بثلاث عشرة قصة، مذيّلة بما أسميته "خاتمة ضرورية" في نهاية الكتاب.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: