فوضى واشنطن تهدد السلام العالمي: يجب أن تكون إسرائيل أكثر حذراً

2017-10-12

بقلم: عاموس هرئيل

ما زال هذا العرض الأفضل في المدينة. لقد مرت تسعة أشهر تقريبا منذ ضرب إعصار دونالد ترامب واشنطن. وظهر أحيانا أن العالم بدأ يعتاد على وجبة الدراما اليومية. هجمة تغريدات في الصباح الباكر، تصفية حسابات متأخرة في تويتر زمن النوم، واستقالة كل اسبوعين لموظف كبير في الادارة – يمكن بسهولة الادمان على الاثارة غير المتوقفة التي يزودنا بها اكثر رئيس غير عادي في تاريخ الولايات المتحدة. ولكن من قلب هذه الضجة يأتي مرة كل بضعة أسابيع تذكير بالأهمية الحقيقية لهذه الأمور. كان هذا شأن المقابلة التي أجراها في بداية هذا الاسبوع سناتور جمهوري هو بوب كوركر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، مع صحيفة «نيويورك تايمز». السناتور الذي أعلن نيته الاستقالة من الحياة السياسية في العام القادم، أزاح الستار وسمح للجمهور الأميركي بإلقاء نظرة على ما يجري خلف الكواليس، بين البيت الابيض وتلة الكابتول.
في تلك المقابلة وفي تصريح سابق لوسائل الاعلام طرح كوركر الادعاءات التالية: يدير دونالد ترامب الادارة وكأنها برنامج واقعي خاص به،  وحلف كبار المسؤولين – جون كيري وجيمس ماتيس ووزير الخارجية ريكس تلرسون – منشغل طوال الوقت في كبح الرئيس، الذي يمكن أن يدحرج الدولة الى الفوضى. فتصريحات ترامب في مجال السياسة الخارجية مقلقة، ويمكن أن تؤدي بخفة الى اندلاع الحرب العالمية الثالثة.
قال كوركر إن سناتورات جمهوريين كثيرين يعتقدون كما يعتقد، لكنهم لا يشعرون بأنهم احرار في التعبير عن آرائهم.
في الوقت الذي كان فيه ترامب منشغلا في اثارة وتحريض الرأي العام – ما اعتبر تركا مسبقا مخططا له من قبل نائب الرئيس، مايك تنيس، الذي ترك مباراة كرة القدم بعد سجود اللاعبين احتجاجا على سماعهم النشيد الأميركي – أعطى كوركر تحذيرا شديدا من داخل التيار المركزي للجمهوريين. يشكل تصرف الرئيس، كما فهم من أقواله، خطرا واضحا وفوريا على السلام العالمي.
كانت إسرائيل وما زالت ساحة ثانوية بالنسبة للادارة الأميركية. كوركر وآخرون قلقون في الاساس من تبادل الاتهامات بين الرئيس ترامب ورئيس كوريا الشمالية، كيم جونغ أون. ولكن موظفين وضباطا اسرائيليين، لهم علاقات مستمرة مع نظرائهم في واشنطن، يجدون صعوبة في اخفاء تذمرهم من الاجواء الغامضة والفوضى التي ما زالت تلف نشاطات الادارة. وظائف مهمة جدا لم يتم إشغالها بعد، ويبدو انه في حالات كثيرة ينشغل الموظفون في الإدارة في الحفاظ على بقائهم الشخصي، ويحاولون عبثاً توقع التصريحات القادمة للرئيس – التي يجب عليهم رسم السياسة الأميركية من خلالها. في الخلفية يكمن الخوف المشترك لكبار القادة في اسرائيل وفي الولايات المتحدة، وهو أن المشكلة التي تميز اجراءات الادارة يتم استغلالها بصورة سيئة من قبل لاعبين منضبطين واكثر دقة في موسكو وبكين وطهران.
الواقع الأميركي غير المسؤول بكل المقاييس يقتضي من إسرائيل أن تكون أكثر حذراً. يضغط رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، في خطابات ونقاشات من خلف الكواليس، على ترامب للعمل على الغاء أو تعديل الاتفاق النووي بين الدول العظمى وايران. الاتفاق الذي وقع في فيينا في صيف 2015 مليء بالعيوب، لكن من المشكوك فيه أن يكون نتنياهو (أو أي زعيم آخر) يستطيع توقع كيفية تصرف ترامب في حالة حدوث مواجهة مع الإيرانيين.
في الوقت نفسه الآمال، التي تسمع كل مرة في اليسار الاسرائيلي بأن الرئيس الأميركي سيقوم بحل النزاع مع الفلسطينيين مرة واحدة والى الأبد من خلال تسوية مفروضة على الطرفين، تبدو مدحوضة. فالادارة حتى اليوم لم تظهر أي اشارة على طول النفس والتخطيط بعيد المدى والقدرة على التركيز، وهي الأمور اللازمة لنجاح هذه الجهود في المكان الذي فشل فيه أسلاف ترامب.
المصالح الأميركية
وصف الرئيس الأميركي روزفلت السياسة الخارجية الأميركية كالحاجة الى «التحدث بلطف والامساك بعصا طويلة». يتحدث ترامب كل الوقت، وعلى الاغلب بشكل فظ، لكنه لم يوضح حتى الآن ما هو طول العصا التي يمسك بها، واذا كان ينوي استخدامها. الحماسة التي استقبلت بها في اسرائيل ايضا الهجمات الصاروخية ضد القاعدة الجوية في سورية و»القنبلة الكبرى» التي القيت في يوم ما في نيسان الماضي في افغانستان، تلاشت منذ زمن. أخلت الولايات المتحدة فعليا الساحة السورية لروسيا وايران، اللتين تفعلان فيها كل ما يخطر ببالهما. الاختبارات الاساسية التي تشغل الادارة تنتظر، كما هو معروف، في كوريا الشمالية، وبمستوى ما في ايران، التي يتابع زعماؤها باهتمام كيفية تعامل الولايات المتحدة مع كوريا الشمالية.
لقد قام ترامب بارسال إشارات في الأسابيع الاخيرة حول نيته الاعلان عن أن اتفاق فيينا لا يخدم المصالح الامنية للولايات المتحدة. وحتى يوم الاحد القادم، 15 تشرين الأول، يتوقع أن يحول هذا الموقف موقفا رسميا. في هذه الحالة، يحول الرئيس للكونغرس القرار بشأن العودة الى فرض عقوبات اقتصادية على ايران. ولكن التصريح الأميركي لا يلزم كما هو معروف الدول الاخرى – التي في معظمها اعلنت تمسكها بالاتفاق – وكذلك فإن قدرة الإدارة على تمرير عقوبات جديدة في الكونغرس أمر مشكوك فيه بيقين بعد أن اختار ترامب التشاجر مع كوركر، الذي يوجد دور مركزي للجنته في هذه العملية.
في هذه الاثناء أعلن وزير الدفاع الأميركي بأن الحفاظ على الاتفاق هو مصلحة أميركية، وأعلن رئيس الاركان المشتركة، جوزيف دينفورد، أن ايران لا تقوم بخرق الاتفاق (بالمناسبة، هذا أمر مختلف فيه، لأن الوكالة الدولية للطاقة النووية امتنعت عمدا عن التشدد باجراء فحص للمنشآت النووية الايرانية، التي يمكن أن يتبين أنها اشكالية). نيدي شيرمان، وكيلة وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية في عهد ادارة اوباما، قالت في هذا الاسبوع إن ترامب سيرتكب «خطأ كبيرا» اذا تخلى عن الاتفاق النووي. وحسب شيرمان، ترامب محق في تشخيصه بأن نشاطات ايران تشجع على عدم الاستقرار في الشرق الاوسط، لكنه يخطئ في قوله إن هذه النشاطات تعارض روح الاتفاق النووي. وحسب اقوالها فان تداعيات التخلي عن الاتفاق ستكون مدمرة لعلاقات الولايات المتحدة مع الاتحاد الاوروبي ومع الدول العظمى. وقد وجهت انتقادات كثيرة للادارة السابقة على الطريقة التي تمت فيها بلورة الاتفاق، من خلال تقديم تنازلات كثيرة لايران، لكن يبدو أنه سيكون من الخطأ تجاهل تحذيراتها.
في اسرائيل أيضا يمكن تشخيص الفجوة بين موقف المستوى السياسي والمستوى المهني حول إيران، على الرغم من أن الخلاف (بصورة شاذة) هنا يدار بصورة داخلية جدا بعيدة عن الانظار. يمكننا التقدير أنهم في الجيش الاسرائيلي وفي الاجهزة الاستخبارية يعرفون العيوب الكامنة في اتفاق فيينا (على رأسها الابقاء على قدرة ايران على تخصيب اليورانيوم وعدم وجود قيود على برنامج الصواريخ). ولكن في الوقت ذاته يدركون الاخطار التي تحدق بتخلي الولايات المتحدة عن الاتفاق.
رئيس الاستخبارات العسكرية السابق، الجنرال احتياط عاموس يادلين، بقي قريبا من كبار ضباط الجيش الاسرائيلي. وهو يعبر بين الفينة والاخرى في تصريحاته عن الاجواء السائدة في هيئة الاركان العامة وفي الاجهزة الاستخبارية. في المقال الذي نشره يادلين ورئيس معهد بحوث الامن القومي في جامعة تل ابيب، الباحث د. افنير غالوب، هذا الاسبوع، يدعون أن هذا ليس الوقت المناسب لالغاء الاتفاق النووي، ويطرحون بدل ذلك على اسرائيل التوصل الى تفاهمات اكثر عمقا مع الأميركيين فيما يتعلق التنصل الممكن من الاتفاق مستقبلا، اذا قامت ايران بخرقه. في الوقت ذاته يوصي الاثنان بتعزيز النشاطات الأميركية والاسرائيلية لوقف مساعدة ايران للمنظمات الارهابية والعصابات، ودفع مجلس الامن الى اتخاذ اجراءات ضد استمرار تطوير برنامج الصواريخ البالستية لطهران.
عدد من كبار رجال الاستخبارات في اسرائيل قلقون الآن اكثر مما يجري في الجبهة القريبة من ايران، سورية، في اعقاب انتصار نظام الاسد في الحرب الاهلية هناك. تركز اهتمام وسائل الاعلام في الاساس حول نية نشر المليشيات الشيعية، ومن ضمنها «حزب الله»، قرب الحدود مع اسرائيل في هضبة الجولان. ولكن العملية الايرانية واسعة ولها إمكانية كامنة اكثر خطرا – تشمل نية انشاء مطار تحت سيطرة ايران في دمشق، وميناء على شاطيء البحر الابيض في طرطوس (قرب الميناء الروسي)، وربما ايضا وضع قوات برية أكبر في سورية. في الوقت ذاته اسرائيل قلقة من امكانية أن تعيد ايران ملء مخازن الصواريخ الدقيقة في سورية، التي فرغ معظمها اثناء الحرب الاهلية. وقلقة ايضا من محاولة ايران نشر صواريخ متقدمة مضادة للطائرات من انتاج روسيا في سورية. هذه هي الخطوط الحمر الجديدة لاسرائيل، التي سيرسمها وزير الدفاع، افيغدور ليبرمان، في الأسابيع القريبة القادمة اثناء لقاءاته مع نظيريه الروسي والأميركي.
حسب تقارير وسائل الاعلام الأميركية في الاسابيع الاخيرة يزداد التأييد في البنتاغون للقيام بعمليات مبادر اليها ضد «حزب الله» وضد حرس الثورة الايراني، الذي يبحثون في الادارة الأميركية فكرة بالاعلان عنه كتنظيم ارهابي. يبدو أن واشنطن اكثر استعدادا من السابق لزيادة جهود جمع المعلومات الاستخبارية عن «حزب الله»، وربما حتى التدخل بصورة نشطة ضد جهود تسليحه من قبل ايران. ربما أن ماتيس، الذي يرى في نفوذ ايران المتزايد في المنطقة مشكلة ملحة أكثر من موضوع الذرة، سيعمل على عرض خطوات كهذه على ترامب كبديل عن فرض العقوبات على ايران.

هل ستتوقف الهدية؟
في هذه الاثناء، في الساحة الفلسطينية تم في القاهرة، أول من أمس، البدء بمحادثات المصالحة بين السلطة الفلسطينية و»حماس» بصورة رسمية. في جهاز الامن الاسرائيلي يعتقدون أنه رغم جهود الوساطة، التي يبذلها المصريون، ما زالت هناك عقبات اساسية في طريق التوصل الى اتفاق. ثمة مسألة اساسية تتعلق بمستقبل السلاح الموجود في أيدي «حماس» في قطاع غزة. حتى الآن ترفض «حماس» تماما طلب السلطة الفلسطينية إخضاع الذراع العسكرية وسلاحه لسلطة الأجهزة في رام الله.
أحد الخيارات التي تطرح في اسرائيل هو موافقة الطرفين أخيرا على مصالحة محدودة، يتم فيها ازالة العقبات الاكثر تعقيدا واقلاقا للطرف الآخر. ستوافق «حماس»على حل اللجنة الادارية التي انشأتها في القطاع قبل سنة تقريبا. وهي اللجنة التي ازالت بصورة رمزية آخر بقايا وجود السلطة الفلسطينية هناك، رغم أن حكومة «حماس» أدارت  فعليا القطاع منذ عقد، منذ أن طرد منها رجال «فتح» في حزيران 2007. في المقابل سيوافق رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، على إلغاء العقوبات التي فرضها على القطاع في الربيع الاخير – تقليص رواتب موظفي السلطة ودفع ثمن الكهرباء – التي فاقمت سوء الوضع لسكان القطاع في الصيف.
وسواء أكانت هذه أخيرا مصالحة صغيرة أم مصالحة كبرى، فان إسرائيل سبق لها أن أوضحت موقفها في هجماتها الشديدة ضد المفاوضات من جانب نتنياهو وليبرمان في هذا الشهر. بالنسبة لنتنياهو فان الفرق بين الضفة الغربية وغزة هو ذخر سياسي اساسي، الهدية التي لا تتوقف عن العطاء – لأنه بمساعدتها يمكن ايضا اضافة الزيت على نار الكراهية بين الطرفين الفلسطينيين الصقرين، وايضا رفض توسلات المجتمع الدولي للعودة وتحريك العملية السلمية (بذريعة أن عباس لا يمكنه ضمان أن اتفاقا سياسيا مستقبليا يمكن ان يضم ايضا القطاع).
في هذه الحالة ايضا يبدو أن موقف المستوى المهني في جهاز الامن مختلف قليلا. فهم يدركون هناك الاخطار الكامنة في المصالحة، مثل تعزيز موقف «حماس» في الضفة الغربية للمس بالتنسيق الأمني مع اسرائيل، لكنهم يشخصون ايضا وجود مزايا، على رأسها احتمال تحقيق هدوء أمني على حدود القطاع، لفترة زمنية طويلة نسبياً.

عن «هآرتس»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: