الترجمة كأداة غير هامشية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

2017-10-10

كتبت بديعة زيدان:

ضمن فعاليات أيام الترجمة والأدب العالمي، واختتمت الأسبوع الماضي بتنظيم من وزارة الثقافة ومنشورات المتوسط، انتظمت في جامعة بيرزيت ندوة متخصصة بعنوان "فلسطين الحضارة وتواصل المعرفة"، أدارها د. إبراهيم أبو هشهش أستاذ اللغة العربية في الجامعة، وشارك فيها المترجمان الناقد والشاعر حسام الدين محمد المولود في دمشق، ويقيم في بريطانيا، والفلسطيني برهان القلق وهو "مروج للثقافة العربية باللغتين التشيكية والبلغارية"،

وشارك في الندوة حيث تحدث كل منهما عن الترجمة ونقل الثقافات من خلال تجربتيهما الشخصيتين في هذا المجال، خاصة أن المترجمين كما وصفهم أبو هشهش "عابرو الحدود الثقافية"، و"ضاربو الجسور الحضارية"، ولولاهم "لعاشت البشرية في جزر حضارية وثقافية منعزلة"."

أيام الثقافة" تسلّط الضوء في هذا العدد على مداخلة حسام الدين محمد حول مفهوم الترجمة وعلاقات القوة بين النصوص والجهات المختلفة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، في ورقته الموسومة بـ"ترجمة فلسطين .. احتلال السرديات والمعاني"، هي التي كانت تناولت في العدد الماضي تجربة برهان القلق مع الترجمة.

ترجمة فلسطين
وقدم الناقد والشاعر السوري حسام الدين محمد ورقة بعنوان "ترجمة فلسطين .. احتلال السرديات والمعاني"، بدأها بالتأكيد على أن "التفكر في الترجمة وقضاياها" يفتح الباب لتحليل "ممكن ومفيد لقضايا النزاع الفلسطيني الإسرائيلي"، وأنه "يمكن لهذا التحليل فحص قضايا شائكة تاريخية وجغرافية وأيديولوجية عديدة، ومساجلتها عبر هذا السياق"، وهو ما يراه بوابة لـ"فحص ومساجلة قضايا الترجمة ضمن هذه الحيثيات المعقدة، ولكن المهمة".

ومما قاله محمد: إذا كانت الترجمة في تعريف بسيط لها هي نقل نص لغوي إلى نص لغوي آخر، فإنها في السياق الفلسطيني الإسرائيلي هي صراع نصوص، ومحاولة نص استبدال آخر بالقوة والمعرفة على الأرض وفي المخيلة، وهي أيضاً تبادل معقد للعلاقات بين النصوص.

المقدس والمدنس
ورأى محمد أن إحدى "الإشكاليات الكبيرة لهذه المقاربة الواسعة أنها لا تبدأ مع النزاع الإسرائيلي الفلسطيني بشكله الحديث، بل تمتد عبر السرديات الدينية والأيديولوجية والتاريخية التي يتجادل فيها المقدس والمدنس، حيث يتزاحم الديني والدنيوي، والبدايات مع النهايات"، كما "ينتقل صراع الترجمة هذا من المقدس إلى سرديات اللغات والسياسة، ومن التاريخ والجغرافيا إلى الثقافة واللغة والهوية، في اشتباكات تتبادل الأماكن والمجالات.

وأشار إلى أن إسرائيل نفسها، على سبيل المثال، استمدت اسمها من أحد أنبياء التوراة اليهودية الذي هو أحد أنبياء الإسلام، بحيث يجعل النصيّن اليهودي والإسلامي، وبينهما المسيحي، يتنازعان الشخصية ويختلفان على حكايتها واسمها، ويختلفان بالتالي على المآلات التي آلت إليها، وعلى النتائج الفادحة المترتبة على استعمالها، أو ترجمتها.

أما اسم فلسطين، فهو أرض للتفكر، فهو حسب المفكر والكاتب الفلسطيني عادل بشتاوي، كان يكتب الآن باللغات العالمية، أي بالباء المحجمة، كما ورد في جداريات الأشوريين، كما أن لديه اقتراحاً لاحقاً يتصل باللغة العربية التي درسها ودرس جذورها، ويتمحور حول كون اسم فلسطين جمع بين مفردة "فلس" أحد آلهة قبيلة تميم القديمة، ومفردة "طن" وهو الجذر الثنائي الذي تصدر عنه مشتقات الوطن والتوطن والإقامة، وهذا الجزء الأخير يجد سياقه الجارف ضمن الحالة الفلسطينية الحرجة مع قضية الوطن وقضايا التوطن في بلدان الجوار، وقضايا الاستيطان الإسرائيلي.

ترجمة الوجود
وشدد محمد على أن أحد أشكال معاناة الفلسطينيين في ترجمة وجودهم تبدأ أيضاً من اللغتين موضوع السجال والحرب: العربية والعبرية، فهما مشتقتان من أسرة لغوية واحدة، ويتماثل اسمهما في الأحرف، ويختلفان في الترتيب، كما لو كانتا مرآتين متقابلتين متشظيتين، وبالتالي "فإن التمحيص في جذريهما سيوصلنا إلى اشتباك يناظر الاشتباك الحاصل في المجالات الأخرى العديدة"، مشيراً إلى أنه وحسب إيلان هاليفي في كتابه عن المسألة اليهودية فإن ألف باء العبرية القديمة تركت لصالح ألف باء الآراميين المربعة التي تكتب بها العبرية اليوم، وأنه خلال القرن الذي تم فيه الانتقال من ألف باء إلى أخرى، تم اختراع اليهودية نفسها.

وحسب بشتاوي فإن جذور العبرية تجمع بين معاني العبور والتعبيرة والعبرة والعبرات، وهو جذر تاريخي سيعبر بدوره إلى تغريبات الفلسطينيين وعبورهم، والعبرات والعبر التي يمتحنون بها، كما أن جذور العربية، التي يرى أنها تعود إلى جنوب الجزيرة العربية، تتصل في مكان ما بالتاريخ بجذور العربية التي جاءت بدورها من تلك الجغرافيا.

القدس ليست أورشليم
يحاول الباحث العراقي فاضل الربيعي، والحديث هنا لحسام الدين محمد أيضاً، بفصل أحد تجليات هذا الاشتباك في التاريخ القديم ومآلاته المعاصرة، وهي مغامرة كان قد افتتحها كمال الصليبي بكتابه "التوراة جاءت من جزيرة العرب"، والذي تبعته كتب أخرى للصليبي نفسه وللآخرين كزياد منى وفاضل الربيعي، وشكلت صدمة معرفة لكونها لأول مرة تنقل الحيز التوراتي وجغرافيته من فلسطين، وتقذف به إلى الجزيرة العربية، واليمن تحديداً.

في كتابه "فلسطين المتخيلة"، اشتغل فاضل الربيعي على أطروحة الصليبي اللافتة، في استهداف لطموح فكري يهدف إلى فصل جراحي لتاريخي وجغرافيتي السرديّتين اليهودية والإسلامية عن فلسطين والقدس، عبر نقلهما إلى تاريخ وجغرافيا اليوم .. وفي كتابه الآخر "القدس ليست أورشليم" يؤكد الربيعي أن التوراة لم تذكر اسم القدس قط، وأنها لم تسجل اسم "أورشليم" بوصفها القدس، وأن تماثل الاسمين وكونهما يعنيان المكان نفسه هي أكذوبة من اختراع اللاهوتيين، كما يعتمد في كتاب لاحق على نقوش وسجلات أشورية تذكر اسم القدس (قدش) كاسم جبل، واسم أورشليم كمدينة دينية يهودية، ويؤكد أن جبل القدس موجود في مديرية سامع بمحافظة تعز اليمنية.

وحسب الربيعي فإن القدس لم تكن معروفة بهذا الاسم حتى العام 15 للهجرة، وأن اسمها كان "إيلياء"، وهو مسجل كذلك في العهدة العمرية الشهيرة، وبالتالي فلا يمكن أن يظهر في التوراة التي كتبت قبل خمسمائة سنة على ميلاد المسيح، مشدداً على أن الربيعي يرى بأن "فك الارتباط نهائياً وكلياً بين الاسمين الواردين في التوراة والنقوش الأشورية أمر جوهري وحيوي للغاية، وذلك لأجل فك الارتباط بين الروايتين اليهودية والإسلامية حول المدينية، وإثبات أن مدينة القدس العربية الإسلامية ليست هي نفسها أورشليم المدينة المقدسة لليهود، وهو ما يوجب بالتالي سقوط ما تدّعيه إسرائيل من حقوق في المدينة".

ويرى حسام الدين محمد أن هذه الأطروحة للربيعي "حرجة" فهي "تعترض على ترجمة الحاضر باعتراضها على ترجمة الماضي وتأويله".

اختراع إسرائيل
أطروحة الصليبي وتلاميذه ناظرتها محاولات أخرى لتعديل الترجمة الإسرائيلية الكبرى للتاريخ لصالح السياسة من مؤرخين يهود مثل شلومو ساند صاحب كتاب "اختراع الشعب اليهودي" الذي يقول فيه "إن اليهود لا تجمعهم مشتركات، فهم ليسوا من عرق واحد بسبب عملية التهوّد ضمن الأعراق عبر التاريخ، وليست لديهم لغة واحدة، حيث إن العبرية كانت تستخدم للصلاة فقط ولم تكن محكية حتى في لغة المسيح، أما اليديشية فهي لغة الأشكناز"، لينقل محمد عن ساند تساؤلاً جوهرياً مفاده "ما الذي بقي ليوحدهم؟!".

ونقل محمد عن ساند أيضاً أن "الدين لا يحوّل الناس إلى قومية، وهذا واضح عند الكاثوليك والمسلمين، وأغلب اليهود ليسوا متدينين أصلاً"، أما الصهيونية فهي عند ساند "تيار سياسي، فيمكنك أن تكون اسكتلنديا دون الإيمان بالقومية الاسكتلندية، وأغلب اليهود بمن فيهم الكثير من الصهاينة لا يرغبون بالعودة إلى أرض الميعاد، ما يعني أن الشعب اليهودي هو بنية سياسية، أي اختراعا".

وفي كتابه الآخر "اختراع أرض إسرائيل"، يقول ساند إن "هذه الأرض مخترعة أيضاً، فهي بالكاد تذكر بالعهد القديم، فالمصطلح الأكثر وروداً هو أرض كنعان، وحين تذكر فهي لا تتضمن أورشليم أو حبرون، أو بيت لحم، فإسرائيل التوراتية هي شمال إسرائيل الحالية (السامرة)، ولم يكن هناك أبداً مملكة موحدة تتضمن يهودا والسامرة، والحديث أن الله وعد اليهود بها فإن الأمر لا يعدو كونه مجادلة ضعيفة لتبرير إنشاء دولة بعد مرور ألفي عام.

شعب من المترجمين
وينقلنا حسام الدين محمد إلى محمود الحرثاني، وهو أستاذ في الترجمة في جامعة الأقصى، الذي يتحدث عن أفق آخر فيها معطوفاً على النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث يؤكد الحرثاني أن الترجمة من الإنجليزية لدى الفلسطينيين تكثفت بعد النكبة، ودارت حول مواضيع تهمهم كالكولونيالية والإمبريالية وحرب العصابات، وكان لافتاً ترجمة كتاب يوميات آنا فرانك العام 1963، وهي الناجية من الهولوكوست، من باب كيف تتحول الضحية إلى جلاد، كما ظهرت ترجمات عن القضية الفلسطينية منها كتابات تويمبي، فيما تزايدت الترجمات كثيراً بعد هزيمة 1967، وخصوصاً ما يتعلق منها بفهم المشروع الصهيوني وتأسيس إسرائيل، ولهذه الأسباب، يصف الحرثاني الفلسطينيين بأنهم شعب من المترجمين.

وخلص محمد إلى أن "ما انتبه الفلسطينيون إليه عبر تكثيف عمليات الترجمة بعد نكبة 1948 وهزيمة 1967، هو اكتشاف الرابط بين المعرفة التي يتم اكتسابها عبر الترجمة، والقوة التي تؤهلهم للصراع مع خصمهم".

عنف الترجمة
وأشار المترحم والناقد والشاعر السوري إلى أن أنطون شماس، وفي محاولة ترجمته للألم الفلسطيني، تحدث عن التصدعات داخل اللغة وبين اللغتين نتيجة عنف الترجمة واحتمالاتها أو استحالاتها بين العبرية والعربية، وكذلك مع الإنكليزية التي هي إحدى لغات الاستعمار السابق للشرق الأوسط.

ويخلص محمد إلى أنه في حال "تركنا عناصر التراث المشترك للديانات الثلاث في المنطقة المتضمن الحديث عن الله والكتاب المقدس وما تلاه من كتب مقدسة أخرى، ومررنا إلى الجامعة العبرية في القدس وسطوة الانكليزية فيها نكون قد وضعنا اليد على أحد تجليات علاقة الترجمة بالقوة، عبر ملاحظة علاقة الأكاديميا الكولونيالية الإسرائيلية بالأكاديمية الأميركية ولغتها العالمية المسيطرة"، لافتاً إلى أنه منذ ثمانينيات القرن الماضي ظهرت دراسات تربط بين القوة بتجلياتها المتعددة وبين الترجمة، موضحة أن القوة في موضوع الترجمة لا يمكن فهمها عبر دراسات القوة الاعتيادية بل عبر الثقافة والمعلومات، وخاصة بطريقة نقلها، وطريقة إيصالها عبر وسائل الخطاب المتعددة في النص المستهدف.

وحسب الباحثتين غاتريس فيشر وماتيلدا ليزبيث جينسين، فإن المترجم على علاقة بمسألة القوة، كونه يتصرف كعميل مزدوج قبض عليه بين معسكرين يمثل كلاً من مؤسسات القوة، وأولئك الذي يريدون الحصول عليها، غير أن المترجم نفسه في موضع قوة أيضاً كونه قادراً على التأثير في النص بالتأكيد على قضايا معينة، أو إعادة ترتيب أقسام من النص، وبذلك قد يصبح سلطة تقوم بالتلاعب بالثقافة والسياسة والأدب، وبالتالي بتقبل أو عدم تقبل كل هذه المجالات في الثقافة المستهدفة.

لذلك، فدور الترجمة، ليس في إعادة إنتاج نص مصدري إلى نص مستهدف، بل في كونه عملاً إبداعياً يحتاج إلى قرارات معقدة، فهو عمل واعٍ ومقصود لإعادة البناء والتلفيق أحياناً، حسب بعض الدراسات، وفي بعض الحالات التزييف، ولذلك فإن المترجمين مثل الكتاب المبدعين والساسة يشاركون في أعمال سلطوية لصناعة المعرفة والثقافة، وتفتح هذه المسألة بالنسبة للفلسطينيين أبواباً واسعة للانتباه إلى أثر عمليات الترجمة، بالمعنى الواسع لها، في مصائرهم ومصائر المنطقة العربية عموماً. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: