آراء

صغيرة على الزواج

سما حسن

2017-09-14

كانت تبدو طفلة عبثت بعلبة ألوان الطلاء فلطخت وجهها، فبدا وجهها بالفعل مضحكا ومبكيا في ذات الوقت، وهن يتحلّقن حولها وينثرن الورود ويغنين ويتراقصن على أنغام الموسيقى التي تأتي من جهاز تسجيل عتيق، فكان صوتها كصوت الموسيقى الجنائزية الذي يوحي بالموت، والحقيقة أن البنت كانت تلفظ أنفاس طفولتها وبراءتها.
كان الجميع يبدو مبتهجاً وفرحاً بعد إبرام الصفقة بنجاح، إلا هي، ملامحها جامدة وردودها باردة، ولا أحد يستطيع أن يعرف ما بداخلها، رغم أنها بكت كثيرا في الليلة الماضية حتى انتفخت عيناها الخضراوان الجميلتان البريئتان وهي تطلب من والديها أن يسمحا لها بإكمال دراستها، قالت لهم: أريد أن أدخل الجامعة مثل أخواتي اللواتي يكبرنني، لماذا لا أكمل تعليمي مثلهن؟
لم يرد والدها على تساؤلاتها، فيما أصمت أمها أذنيها فهي لا تريد أن تخبرها بالحقيقة والحقيقة أن لكل بنت حسابات لمستقبلها تتفق مع نسبة جمالها، فأخواتها اللواتي يكبرنها ليس لهن حظ بالجمال مثلها، وهي الوحيدة التي جاءت إلى الحياة بعينين خضراوين، وشعر أشقر ناعم، وبشرة بيضاء مشربة بحمرة، أما أخواتها فكلهن متوسطات الجمال بل إن كل واحدة اختارت أسوأ ما في عائلة الوالدين من ملامح!
وهكذا كان التوزيع عادلا في نظر الوالدين، فالبنات ذوات الحظ القليل في الجمال سوف يحظين بالتعليم الجامعي، وكذلك سيبذل الوالدان أقصى جهدهما لكي تحصل كل واحدة على عمل بعد تخرجها وذلك لكي تحسن كل واحدة من مؤهلاتها للزواج، فلا أحد يرغب بالزواج من فتاة قليلة الحظ بالجمال إلا إذا كانت جامعية أو موظفة، كما أن التخصص الجامعي له أهميته وتقديرها التراكمي في الجامعة لكي يطمئن الخاطب أنها ستحصل على وظيفة في النهاية، وبأن تضحيته لم تذهب سدى حين اختار الاقتران بفتاة مثلها.
الابنة الصغيرة رغم أنها باهرة الجمال إلا أنها متوسطة الذكاء وتحصل على معدلات متوسطة في المدرسة، ولكنها تحب المدرسة وزميلاتها ومعلماتها خاصة حين دخلت المرحلة الثانوية قبل أيام فأصبحت في الصف الحادي عشر، وبدأت التعرف إلى أجواء جديدة وحصلت على مساحات من الحرية لم تكن متوفرة أو متاحة في المرحلتين السابقتين، ما جعلها تصمم على إتمام دراستها الثانوية ومن ثم الالتحاق بالجامعة.
ولكن والدها فاجأها بتقدم ابن صديق عمره لخطبتها، وهذا الخاطب يعمل في إحدى دول الخليج ويكبرها بعشرة أعوام، وشرطه الوحيد للارتباط بشريكة العمر أن تكون باهرة الجمال لكي يتباهى بها حين تسير إلى جواره، كما أنه يريدها ربة بيت فلا يهمه أن تكمل تعليمها فهو ميسور الحال ولديه من المال ما يكفي ويزيد لكي تصبح هي أيقونة جميلة في شقته الفاخرة.
طارت الأم من الفرحة حين بلغها الخبر، وحملت الخبر على جناح الانترنت لبناتها الثلاث المتزوجات، فحضرن إلى البيت في الحال، وبدأن يستمعن لمزايا العريس بانبهار، ويفكرن ويخططن ما على الأم والأب أن يشترطاه ويطلباه من مهر وشبكة وتكاليف زواج لجميلتهم الصغيرة، واشترطت كل واحدة شرطاً وكأنها هي العروس مثل أن يرسل لها ثوب الزفاف من الخليج حيث يعمل، وأن يقام حفل الزواج في فندق فاخر يطل على البحر، فليس معنى أن العريس لن يستطيع القدوم إلى غزة بسبب الحصار وأزمة إغلاق معبر رفح منفس غزة الوحيد، أن لا يقام حفل الزفاف في فندق فخم، فالعريس لن يحضر بالطبع خوفا على وظيفته وضياعها إن فكر بالقدوم إلى غزة، ولذلك فسوف يرسل بتوكيل لوالده لكي يتمم عقد القران وكل إجراءات الزواج، وعليه أن ينتظر حتى تصل إليه العروس الدمية في أقرب وقت أو أقرب فرصة يتم فيها فتح معبر رفح ليوم أو يومين.
حدد والدها قيمة المهر ووافق عليه صديقه دون اعتراض، وحددت الأخوات اسم القاعة، وحددت الأم قائمة المدعوات اللواتي ستأكلهن الغيرة، وينهشهن الحسد بسبب "الوقعة" التي وقعت عليها، فالأم ترى أنها قد وقعت على كنز، ولكن الطفلة الصغيرة تشعر فعلا أنها قد وقعت، تركت الجميع يحدد ويخطط وانسحبت إلى سريرها الصغير وبدأت تعد نفسها للنوم باكراً لكي تستيقظ للذهاب إلى المدرسة.

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: