عدنية شبلي في "تفصيل ثانوي" .. محاولة سردية لتعرية احتلال يواصل فعل الاغتصاب!

2017-09-12

كتبت بديعة زيدان:

في صيف العام 2005، نشرت صحيفة "هآرتس" العبرية، "كشفاً" حول حكايتي اغتصاب لكتيبة تتبع جنود الاحتلال الإسرائيلي، لفتاتين بدويتين في يومين متتاليين، وهما ما شكلتا البنية الأساسية شبه الكاملة للنصف الأول من رواية "تفصيل ثانوي" لعدنية شبلي، والصادرة حديثاً عن دار الآداب للنشر والتوزيع في بيروت.

ورد في "هآرتس"، حينها، أن وحدة عسكرية إسرائيلية، قامت، في العام 1949، بقتل رجل بدوي من النقب الغربي واختطاف ابنته الصبية واعتقالها بضعة أيام داخل ثكنة عسكرية والتفنن بالاعتداء عليها قبل قتلها، وأن أفراد الوحدة العسكرية في وحدة "نيريم" بالنقب الغربي احتفلوا، مساء السبت الموافق الثاني عشر من آب، ببلاغ من قائد الوحدة باصطياد صبية بدوية خلال النهار.

قائد الوحدة، طلب من الجنود البت بمصير الصبية، هل تستخدم للعمل في المطبخ، أو تحول خادمة جنس، فصوّت أغلبهم للخيار الثاني، وقام القائد بتحديد عمليات الاغتصاب، وأمر بإحضار سرير إلى إحدى الخيام، وبادر هو أولاً بالدخول إليها.

والتقت دورية تابعة للفيلق نفسه، في اليوم التالي بثلاثة رجال وصبية بلغ عمرها نحو 15 عاماً، تم إجبارها على الصعود لسيارة الجيب العسكرية، وهي تصرخ وتستغيث، فيما كان الجنود يطلقون النار صوب الرجال والجمال التابعة لهم.

جنود الدورية العسكرية الإسرائيلية، وبعد أن وصلوا إلى قاعدتهم في "نيريم"، أدخلوا الصبية إلى كوخ مهجور، وضع أمامه حارس فيما شدد قائد منطقة النقب في جيش الاحتلال عدم المس بالفتاة قبل مغادرته.

عقب خروجه في جولة ميدانية، قام أحد الجنود بإخراج الصبية البدوية من الكوخ، وجردها من ملابسها حتى أصبحت عارية تماماً، وأوقفها تحت صنبور يستخدم لاستحمام الجنود .. قام بغسل جسدها بصابون على مرأى من مجموعة جنود.

الجندي بعد الاستحمام الإجباري، قام بإحراق ثياب الصبية، وألبسها بنطالاً عسكرياً وسترة برتقالية، وأعادها إلى الكوخ ليتناوب الجنود الدخول عليها، حيث أعطيت لكل جندي مدة خمس دقائق.

عندما عاد "القائد" أمر أحد الجنود بقص شعر الصبية ومعاودة تحميمها عارية، قبل أن تغتصب تباعاً إلى أن أغمي عليها، وحين حاولت الهرب في صباح اليوم التالي أمر قائد الموقع بقتلها.

للوهلة الأولى
يبدو للوهلة الأولى أن شبلي لم تقدّم أي جديد في سردها لوقائع الاغتصاب، فبدأت كأنها مؤرخة نسخت ما ورد في تحقيق "هآرتس"، مع إغفال أسماء الشخوص والأمكنة، ودمج ما حدث مع الفتاتين في وصف حادثة اغتصاب واحدة، بعد أن تتبعت بإصرار على التكرار، رحلة يومية لقائد القاعدة العسكرية حول الخيام، يشاركه البطولة فيها نظرته المستمرة للرمال، والكلب الذي يعوي ولا يعوي، مع عدم إغفال محاولات تصويرية اتسمت ببطء "عدستها" التي أغرقت في تفاصيل حركته الجسدية، والوصف المبالغ فيه للمكان، بتقنية ذكية لتلافي عدم وجود حبكة تضاف إلى ما ورد في "هآرتس"، بقصد أو دونه، وهو ما ظهر جلياً في وصف حالة القائد العسكري الإسرائيلي حين تعرض للدغة من حشرة أو زاحف بريّ ما، وحالته بعدها.

صحيح أن طريقة رواية اختطاف الفتاة في "تفصيل ثانوي" تختلف عن سابقتيها، حيث تشير شبلي هنا إلى العثور عليها كتلة متكورة سوداء، لكن التفاصيل تتقاطع بشكل كبير، وإن كان السرد هنا اتخذ شكلاً فنياً على صعيد التصوير واللغة، وليس على صعيد البناء الروائي للحكاية، ففيها مزق القائد الذي انهمك بجرحه وتلميع ذقنه ثياب الفتاة بعنف، قبل أن يقذف جسدها العاري بخرطوم مياه تتدفق بقامة مقوّسة، ليحضر قطعة صابون التي قطعتها الفتاة عنوة وشرعت تديرها في رحلة على السطح الخارجي لتفاصيل جسدها، الذي بقي عارياً أمام الجنود، مع شرح لتفاصيل حكايتها مع المياه، ومحاولتها التي قمعت في تغطية جزء من جسدها، إلى أن زودت بقميص وبنطال لجنديين بأمر من القائد، لتشابه بلباسها الجديد بقية أعضاء الفصيل، وهو ما ورد بشكل أو بآخر في "كشف" هآرتس.

تحدثت عن قص شعر الفتاة، وبكثير من التفاصيل المبتكرة هنا عن تنظيف القائد الجاني للفتاة الضحية مما علق منها من روائح، وقمل متوقع، وغيره، هو المهووس بنظافته، وكأنه يتفنن في مرحلة ما قبل الاغتصاب بالاعتناء بنظافة ضحيته وضحية جنوده، وملابسها المستعارة عوضاً عن ملابسها الأصلية التي أحرقت.

كما تحدثت عن تخيير الجنود بأن يرسلوها للخدمة للمطبخ، أو يعبثوا بها جميعاً، فانحازوا للخيار الثاني، وبحثوا عن آلية مرضية لهم في اقتسامها، بينما كان القائد له كلمة السبق هنا، بعد أن ثبّت سريراً في سقيفة غير سقيفته، في تقاطعات مع "كشف" هآرتس.

لوحات بصرية
استغرق وصف حكاية القائد العسكري مع الفتاة "الصيد" صفحات عدة، وهنا على عكس الانطباع الأولى، قدّمت عدنية لوحات سردية تميزت بمشهدية عالية، لوحات بصرية متحركة امتزجت بإبداع يجعلك تشعر بارتجاف جسم العسكري، ونحيب الفتاة، وارتفاع وانخفاض وتيرة صوت الكلب وتحركاته، في تمويه يبدو متعمداً يدفع القارئ نحو حالة من الغموض تتعلق بسر ارتجاف جسده في ذلك الوقت، هو الذي استمر في ممارسة "قرفه" مما لا يزال يعلق في جسد ضحيته من "روائح نتنة"، ما يرمز لعمق عنصريته التي تتعاطى مع الآخر بفوقية حتى في حالات كهذه.. فهو مارس الفوقية بتمزيق الثياب، ورشها بالماء أكثر من مرة، وقص شعرها وفركه بمادة بترولية، وإجبارها على استخدام الصابون، لكن الأمر في السرير مختلف لا شك.

دلالات الجرح
توقعت أن هناك رمزية أو دلالات ما للجرح الذي تسببت به حشرة في جسد قائد الكتيبة، خاصة أن تلاه جرح أقل وطأة من عضة أسنان الفتاة لحظة أن أطبق على جسدها بغية اغتصابها، ولا أدري إن كنت محقة في ذلك، ففي قراءات لروايات سابقة، لفت كاتبوها وكاتباتها إلى أنني ذهبت إلى مناطق لم تخطر على بالهم، وهذا إبداع يسجل ليس فقط للقارئ المتدخل، بل للروائي الذي يمنح القارئ مساحة مناسبة ليكون جزءاً أساساً من تكوين نصه السردي، كما في رواية "تفصيل ثانوي".

في تأويلات جرح الرجل أو القدم بالمنام، ويمكن هنا الاستعانة بها لإسقاطها على المنتج السردي، يأتي أنه تعبير عن أخطاء وهفوات وزلات سلوكية، وأنه "إذا رأيت في منامك أنك تجرح شخصاً أو تتسبب له في جرح فذلك يدل على وجود خلاف عميق بينك وبينه، هذا إذا كان الشخص معروفاً لديك، أما إذا كان الشخص مجهولاً فالحلم يعكس توتراً وقلقاً نفسياً متزايداً سببه عدم الثقة بالآخرين والرغبة في إيذائهم أو الانتقام منهم"، وفي الرواية يأخذ الجرح أكثر من مستوى، فمنها لدغة الحشرة، وعضة الفتاة، والأهم ما تسبب به القائد العسكري الإسرائيلي من جروح جسدية ونفسية هو ورفاق كتيبته للضحية، قبل أن يقتلوها.

النصف الثاني
وفي النصف الثاني من الرواية، ولتحقيق الربط الدرامي تلجأ شبلي لترتدي عبر إحدى شخصياتها ثوب باحثة فلسطينية من الضفة، تستعين بهوية صديقتها الزرقاء لتتجه نحو النقب في محاولات للكشف عن جريمة الاغتصاب، بعد أكثر من خمسة عقود على حدوثها، وهي الرحلة التي تمنحها فرصة تقديم بانوراما حيّة ومعاصرة عما تعانيه الضفة الغربية المحتلة وسكانها الفلسطينيون من تمييز عنصري، وسياسات احتلالية تجعل من حياتهم شبه مستحيلة، حيث الحديث عن الاستيطان، والحواجز العسكرية، والهويات المتعددة، والفصل العنصري بين المناطق المحتلة في العام 1948 وبين تلك المحتلة في العام 1967، بل ما بين مناطق محتلة في ذات العام نفسه، ما يجعل من هذا الجزء وثيقة سردية تعريّ الاحتلال الذي عرى جنوده البدوية، التي لا يتضح في الرواية ولا في "كشف" هآرتس ما إذا كانت فلسطينية، وهو الغالب، وما إذا كانت من بلاد عربية قريبة.. هذا الاحتلال الذي يواصل فعل الاغتصاب اليومي، ليس بحق مزيد من الفتيات البدويات أو غيرهن، لكن بحق الحاضر والمستقبل الفلسطيني، فلا أرض، ولا بحر، ولا سماء فلسطينية الأصل والتاريخ تخلو من تلك الروائح النتنة للاحتلال.

عدنية شلبي، قالت بدورها: لا أرى أن السؤال المركزي في الرواية ما إذا كانت حكاية الرواية حدثت بالفعل أم لا، بمعنى ما إذا كانت قصة حقيقية أم مفترضة أم متخيلة، بقدر ما كان يتعلق الأمر بالذاكرة وحملها بغض النظر عن الحدث.

وأضافت: لا أنكر أنه قد يكون هناك تقاطعات شخصية في الرواية، ويظهر هذا، وإن كانت معكوسة في بعض الحالات، خاصة في النصف الثاني من الرواية .. التحدي الأهم برأيي في "تفصيل ثانوي" هو: كيف يمكن لصوتك أن ينقل لغة ليست لغتك؟ وكيف يمكنك حمل كلمات ليست لك، أو أن تعير صوتك لشخص آخر، ليس لكونك قائل الحقيقة، بل أحياناً لكونك مجرد وسيط كما هي الرواية؟ لافتة إلى أنها سعت ليس فقط لمناصفة عدد الصفحات بين قسمي الرواية، بل عدد الكلمات والحروف أيضاً.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: