دفاتر الأيام

"لو كان البحر مداداً ..." في ذكرى سميح القاسم

عادل الأسطة

2017-08-13

لا أعرف إن كان الشاعر سميح القاسم وهو يكتب بغزارة يطرب للآية (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي)، فسميح، كما كتب في سيرته الذاتية «إنها مجرد منفضة»، يعد نفسه - جاداً أو ساخراً - «شاعر الله المختار».
إنه يتساءل: بم يختلف اليهود عني؟ هم ذهبوا إلى أنهم شعب الله المختار وأنا أرى نفسي شاعر الله المختار.
ربما لم ير سميح شاعراً يوازيه أو يتفوق عليه. عارض الجواهري فراقت قصيدته للشاعر وأخذ يترنم: «أكمل..أكمل يا عدو الله» وفي كتابة الشاعر زكريا محمد عن الشاعر أحمد دحبور «ولد الدهشة» (الهلال المصرية/ أيار 2017 ) ما يقول شيئاً من هذا.
يأتي زكريا محمد على الفرق بين سميح القاسم و محمود درويش، ويرى أن الأخير كان يتابع نتاج غيره من الشعراء فيم اكتفى سميح بما أنتجه ولم يلتفت إلى أشعار الشعراء الآخرين. كما لو أنه مكتمل وليس بحاجة إلى مساءلة اكتماله.
ربما يكون الشاعر العراقي مثل سميح في غزارة الإنتاج فهو أيضاً ينطبق عليه مضمون الآية. سعدي يوسف يكتب يومياً تقريباً، وفي سنواته الأخيرة أصدر مجموعات شعرية كثيرة.
والسؤال الذي يراودني دائماً وأنا أتأمل في غزارة إنتاج سميح هو: هل جنى الشاعر على نفسه وشعره حين كتب بغزارة؟ وهل كان يعطي قصيدته الوقت الكافي لتنضج وتكتمل؟ وهل كان يسأل نفسه إن كان جديده يضيف إلى قديمه جديداً متميزاً؟ 
لا أعرف إن كان هناك دارس التفت إلى غزارة إنتاج سميح مقابل عدم غزارة محمود درويش قياساً لكثرة إنتاج سميح ولاحظ- الدارس طبعاً- تأثير الكثرة على النوعية!
زكريا محمد شاعر له آراؤه النقدية التي تروق لي، وغالباً ما أحثه على نشرها في كتاب ليفيد منها الدارسون في دراسة أشعاره والشعر الفلسطيني. ومما كتبه مرة على الـ»فيسبوك» الرأي التالي، الذي سأورده، على طوله نسبياً: «يمكن اختصار الشاعر بخمس قصائد. الشاعر الأعظم يمكن اختصاره بعشر على أبعد تقدير. يحتاج الشاعر إلى سنوات كي يأتي بقصيدة جديدة. سبع سنوات قد تكفي لذلك. وحين يحصل على واحدة، فهو يقضي سنوات يلعب بها أو يلعب عليها... لدى الشاعر خمس قصائد أو عشر قصائد على أبعد تقدير. ما تبقى إنما هو تكرار ما لهذه القصائد».
ويضيف زكريا: «وأظن أن (المختارات) محاولة للعثور على هذه القصائد والمختارات. بحث عن القصائد الخمس أو العشر. لذا كلما قصرت المختارات كانت أكثر صدقاً وكلما طالت فقدت معناها.
«ويعطي زكريا مثالاً على ما يذهب إليه  فيكتب: «الشعر الجاهلي مثلاً اختصر بعشر قصائد  (المعلقات) ولكل شاعر مثل هذا العدد أو أقل هي نتاجه الفعلي، هي ثمرته».
حقاً من كان من الشعراء في ذهن زكريا وهو يبدي رأيه هذا؟
إن في تاريخ الشعر العربي القديم حقاً ما يعزز ما ذهب إليه، وهناك شعراء عرفوا من خلال قصيدة واحدة مثل ابن زريق البغدادي ودوقلة المنبجي ومن قبل الشاعر الشنفرى صاحب اللامية وإن كانت للأخير قصائد أخرى.
حين سئل محمود درويش في تموز 2001 من مقدمة برنامج «لقاء العمر» (lbc) عن قصيدة له يختارها للقراء في زمن كثرة الإنتاج اقترح «جدارية»، كما لو أنها معلقته.
لا أعرف إن كان سؤال مشابه وجه إلى سميح وماذا اختار؟ 
كان النقد الذي يوجه إلى الشاعر- بخصوص كثرة الإنتاج وقلته- هو أنه غزير الإنتاج، كما لو أنه مصاب بـ»إسهال شعري» وأعتذر للتعبير الذي سمعته مراراً.
في ذكرى سميح القاسم التي تقترب هل يحق لي الوقوف أمام هذه الظاهرة لمساءلة الشاعر؟  وهل سيعترض بعض محبي سميح لأنهم لا يرون فيه شاعراً وحسب، فقد كان أيضاً مناضلاً حزبياً، وكان عليه أن يسخر قلمه لخدمة قضيته الوطنية والقومية وبالتالي كان عليه أن يكتب ويكتب حتى لو كانت القصيدة تعاني من خلل فني، كما ذهب محمود درويش في «حالة حصار «2002:» الشهيد يعلمني «لا جمالي خارج حريتي».
وعموماً فإن الكثرة والقلة لم تكن تخضع فقط لرغبة الشاعر الشخصية في الكتابة، وإن كان للرغبة الشخصية دور. هناك الظروف والمعطيات السياسية والاجتماعية وهناك الحزب وطلبه من الشعراء أن يشاركوا في المناسبات الجماهيرية و..و.، وهنا مثلاً أشير إلى مجموعات سميح القاسم الثلاثة «ديوان الحماسة».
إن قصائد هذه المجموعات كتبت لمناسبات جماهيرية شارك فيها سميح بطلب من الحزب، فقد كان رفيقاً فعالاً فيه. الطريف هو أن سميح حين ترك الحزب وأصدر أعماله الشعرية الكاملة تخلى عن أكثر قصائد «الحماسة».
للكتابة عن سميح في ذكرى رحيله بقية.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: