"الـمـوسـاد" ووزارة الـخـارجـيـة فـي قـنـاتـيـن مـنـفـصـلـتـيـن

بناء علاقات إسرائيلية مع كوريا الشمالية: قصة 25 عاماً من الفشل!

2017-08-12

بقلم: رفائيل أهرين

في 3 تشرين الثاني 1992 استقل ثلاثة دبلوماسيين إسرائيليين طائرة من بيونغ يانغ إلى طوكيو. بعد أن شاركوا في أول بعثة دبلوماسية لإسرائيل إلى كوريا الشمالية، توجهوا إلى وطنهم آملين في أن تتمكن الدولتان من عكس عدائهما المرير الذي استمر مدة عقود، والشروع في حقبة جديدة من التعاون المثمر.
حلموا بإنشاء بعثة اسرائيلية في بيونغ يانغ، وإقناع النظام المنعزل بوقف بيع الأسلحة لأعداء اسرائيل في الشرق الأوسط. لكنهم عندما كانوا في طريقهم الى مقاعدهم في الطائرة، رصدوا نائب "الموساد"، آنذاك، افرايم هاليفي، وأدركوا على الفور أن مهمتهم كانت في مأزق.
"قلت مرحبا، ولا شيء غير ذلك. لم أتكلم معه"، كما تذكر أبراهام سيتون، الذي كان مساعد نائب مدير عام وزارة الخارجية في ذلك الوقت. "بمجرد أن رأيته هناك فهمت ما يجري. كنت أعرف حيلهم".
قال سيتون لـ"تايمز أوف إسرائيل"، هذا الأسبوع، إن مشاركة وكالة التجسس تعني أن وزارة الخارجية كانت خارج السباق. مع مشاركة "الموساد" لن يكون هناك شيء ملموس لمشروع الدبلوماسيين لتقريب اسرائيل وبيونغ يانغ.

خلافات إسرائيلية
هذا ما حدث. فقد كان رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق، اسحاق رابين، قرر في مطلع العام 1993 أن ينهي محاولة اسرائيل غير المعروفة جيدا، وذلك بسبب الضغوط الاميركية. قد ثبت أن الأمر كان موضع خلاف آخر بين مركز القوة رابين من حزب العمل وشمعون بيريس. وبعد 25 عاما، بينما تهدد كوريا الشمالية الغرب بالدمار النووي، فإن الحكاية الغريبة لمؤسستين حكوميتين إسرائيليتين تجس نبض النظام العدائي – والزعم أن "الموساد" يخيب جهود وزارة الخارجية – لا تزال تحتل المرتبة الأولى مع العديد من أولئك الذين كانوا متورطين.
يعتقد مؤيدو جهود التواصل أن إسرائيل يمكن أن تقيم علاقات مع كوريا الشمالية، وتغير التاريخ. ويرفض المنكرون هذه الفكرة، حيث وصف دبلوماسي سابق في وزارة الخارجية هذا الجهد بأنه "أحد أبشع الحلقات في التاريخ الإسرائيلي".
حتى داخل وزارة الخارجية نفسها، هناك خلاف: يقول البعض إن فرصة تاريخية قد ضاعت لتحويل كوريا الشمالية إلى قوة حميدة ذات روابط اقتصادية قوية مع إسرائيل؛ والبعض الآخر يرى الجهد وهميا وأحمق.
في حين اعترفت إسرائيل بالصين الشيوعية في العام 1950، فإنها لم تقيم أبدا علاقات مع كوريا الشمالية. على مدى عقود، ظلت العلاقات مع بيونغ يانغ – التي وفرت لليبيا وإيران وسورية وبلدان أخرى في المنطقة تكنولوجيا الصواريخ المتقدمة – معادية للغاية حتى أوائل التسعينيات. في ذلك الوقت، كانت كوريا الشمالية تعاني من أزمة اقتصادية حادة، وكان مؤسسها ورئيسها، كيم إل سونغ، قد أصيب بمرض. يبدو أن أجزاء من القيادة في بيونغ يانغ مستعدة للنظر في فتح الدولة أمام الغرب.

اتفاق سري لم يُكتب له النجاح
في أيلول 1992 أجرى ايتان بنتسور، نائب المدير العام لوزارة الخارجية، اتصالا من خلال معارف متبادلة مع رجل اعمال كوري شمالي، اقترح عقد اتفاق: ستشتري اسرائيل منجم ذهب منقطع النظير في كوريا الشمالية مقابل تجميد أو الحد من توفير اسلحة لإيران على يد بيونغ يانغ.
وقال بنتسور، هذا الأسبوع: "لقد جاؤوا لي بهذه الفكرة، التي أخذتها بعد ذلك الى (وزير الخارجية آنذاك) شمعون بيريس. قلت له، هذه فرصة، فرد بيريس: أنظر في الأمر. كان أحد شروطه الإبقاء على سرية تامة، وعدم إخبار حتى رئيس قسم آسيا بوزارة الخارجية حول هذا الموضوع".
في 1 تشرين الثاني 1992، توجه خمسة اسرائيليين – بنتسور، سيتون، والدبلوماسية التي تتخذ من بكين مقرا لها، وروث كاهانوف، واثنان من الجيولوجيين الى بيونغ يانغ لاستكشاف امكانية التعاون مع النظام. كانت وزارة الخارجية قد أبلغت "الموساد" بالبعثة، حيث إن وكالة التجسس مسؤولة تقليديا عن العلاقات مع الدول التي لا تقيم فيها اسرائيل علاقات دبلوماسية معها.
قال سيتون في مقال نشر في العام 2007: "لقد شاركنا كل المعلومات مع هاليفي ولم نوفر أي تفاصيل. ولم يبد هاليفي أي اعتراضات طوال الاجتماع. ومع ذلك، في جهودنا للالتزام بالبروتوكول كنا ساذجين في التفكير في أننا يمكن أن تتعاون مع (الموساد)".
تذكر كل من بنتسور وسيتون، في لقاءات منفصلة مع "تايمز أوف اسرائيل"، الأربعاء الماضي، ترحيبا حارا في بيونغ يانغ. قال بنتسور ان الوفد الاسرائيلي ظل لعدة ايام في دار الضيافة الرسمية للنظام.
وأضاف: "لقد تم نقلنا بمروحية الزعيم كيم إل سونغ والتقينا بنائبه. وقد رافقنا جنرال رفيع المستوى من الجيش الكوري الشمالي طوال زيارتنا، ورفهونا بمشهد ضخم". وقد تم عقد لقاء مع صهر كيم، المسؤول عن صادرات البلاد من الأسلحة.
ما لم يعرفه الدبلوماسيون الإسرائيليون في هذه المرحلة هو أنهم ليسوا الإسرائيليين الوحيدين في بيونغ يانغ.
وقال ارون شاي، خبير شرق آسيا: "في الوقت نفسه قام وفد اسرائيلي ثان برئاسة هاليفى بزيارة الى العاصمة الكورية الشمالية. نظم هاليفي الزيارة لأنه اعتبر الموضوع ثقيلا. إيران لديها قدرة على استلام الصواريخ، وإذا كانت هناك فرصة حتى لو ضعيفة لمنع التعاون بين كوريا الشمالية وإيران في هذا المجال، فإن هذه الفرصة لا يمكن تفويتها … لقد أثار الكوريون القضية، لذلك شعرت اسرائيل بأنها ملزمة بفحص الأمر".
من غير الواضح حتى اليوم ما الذي فعله ممثلو "الموساد" في كوريا الشمالية، لكن وفد وزارة الخارجية أخذ الى منجم ذهب اونسان الذي كان من المتوقع أن تشتريه اسرائيل أو تعيد تأهيله، وهو ما قاله استاذ دراسات شرق آسيا في جامعة تل ابيب، الذي كتب، العام الماضي، في مجلة إسرائيل للشؤون الخارجية: "لا توجد وثائق رسمية للمداولات بين الوفدين. لكن يتبين عموما أن ترتيبات مفيدة للطرفين قد نوقشت".

إنه الغباء!
وكان بنتسور وزملاؤه مقتنعين بأن كوريا الشمالية كانت حقا مستعدة للتقارب. في الواقع، لا يزال بنتسور يعتقد أن هذا هو الحال.
وقال، الأربعاء الماضي: "لقد كانت هذه فرصة تاريخية. كان لدى كوريا الشمالية زعيم مريض وكان هناك جو في البلاد حيث كان الناس قلقين بشأن المستقبل. أرادوا الاستثمار الغربي، وبحثوا عن طريقة جديدة للتغلب على الأزمة الاقتصادية القاسية التي كانوا يعانون منها. لقد دخلنا في هذه المساحة".
وأضاف أن النظام كان على استعداد للنظر في السماح لاسرائيل بفتح بعثة دبلوماسية في بيونغ يانغ، وكان هناك حديث عن ان بيريس سيزور البلاد في مرحلة ما، وقال: "الراحل شمعون بيريس، كان رجل عمل. رأى فرصة عظيمة وأراد استغلالها".
وقال إن الكوريين الشماليين يريدون في البداية التحدث في الأغلب عن التعاون الاقتصادي؛ وأرادوا أن تتعامل إسرائيل مع منجم ذهب أونسان وأن تنظر في استثمار مليار دولار في البلاد.
وأكد بنتسور أنه وضّح امام كوريا الشمالية ان اسرائيل لن تعزز العلاقات الثنائية بشكل كبير طالما استمرت بيونغ يانغ في بيع تكنولوجيا الصواريخ الى اعداء اسرائيل. وقال لـ"تايمز أوف إسرائيل": "بالطبع لم يتطوعوا بالتوقف عن صفقات الأسلحة. لكني اثرت هذه المسألة مرارا وتكرارا وسرعان ما أصبح واضحا لهم اننا لن نتمكن من التقدم".
في الأسابيع التي عقبت رحلة تشرين الثاني 1992، يبدو لواضعي السياسات في اسرائيل أن كوريا الشمالية قد تكون في الواقع مستعدة لمواكبة مطالب إسرائيل، خاصة إذا ساعدت اسرائيل بيونغ يانغ على التقرب بسرعة من الولايات المتحدة. ومع ذلك، سرعان ما علم هاليفي أن النظام ما زال يبيع صواريخ لأعداء إسرائيل، وأنه من غير المرجح التوصل إلى اتفاق، وأنه من الأفضل وقف أي اتصال.
في كانون الثاني 1993 دعت كوريا الشمالية بيريس وبنتسور الى بيونغ يانغ. لكن رابين رفض السماح لهم بالذهاب، على ما يبدو بسبب ان الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية اصبحتا قلقتين بشكل متزايد بسبب الوفاق الاسرائيلي الكوري الشمالي. وكان رئيس الوزراء نفسه على الأرجح لم يؤمن بقدرة الكوريين الشماليين على الوفاء بوعودهم. عارض بنتسور، واستمر في المطالبة بتجديد المحادثات، ولكن تم إلغاؤها.
وقال سيتون في العام 2007: "يبدو أن هاليفي استخدم قوته في الإقناع لإقناع كل من الأميركيين ورابين بوقف المفاوضات على الفور. رابين لم يكلف نفسه عناء التشاور معنا، ورفض حتى أن يرانا، وبالتالي لم يكن لديه كل التفاصيل قبل التوصل الى هذا القرار".
وقال بنتسور، هذا الأسبوع، إن "(الموساد) كان وراء قرار انهائها"، متهما وكالة التجسس بانها خربت نشاط مبادرة وزارة الخارجية لمجرد انها لا توافق على أي وكالة أخرى عدا نفسها التي تتعامل مع كوريا الشمالية. "ضغط الموساد على وكالة المخابرات المركزية للضغط على وزير الخارجية الأميركي آنذاك وارن كريستوفر، وكان هذا نهاية الأمر".
بفضل عدم الرد على الادعاءات الموجهة ضد "الموساد"، أحال هاليفي، الاربعاء الماضي، صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" إلى مذكراته للعام 2006 امان إن ذي شادوزا التي تكرس عدة صفحات لمهمته إلى كوريا الشمالية.
بطبيعة الحال، ظل "الموساد" هادئا تماما حول اتصالاته مع بيونغ يانغ. لكن من المؤكد جيدا أن أمل إسرائيل في التقارب مع كوريا الشمالية تعرض أيضا للاعتداء من داخل وزارة الخارجية نفسها.
وقال موشيه يغار، الذي ترأس ادارة قسم اسيا بالوزارة في ذلك الوقت: "كان ذلك فاشلا من كل زاوية تستطيع أن تنظر منها (…) كان لديهم أشخاص الذين يطيرون الى كوريا الشمالية – وهذا لا يجلب شرفا كبيرا لدولة اسرائيل".
لم يتم ابلاغ يغار بخطط مهمة بنتسور للسفر الى بيونغ يانغ. في الواقع، لم يعلم عن المشروع إلا بعد تسريبه للصحافة، كما قال لـ"تايمز أوف إسرائيل"، الأسبوع الماضي.
وأضاف، إن "الموساد" غير ملزم بتبليغ وزارة الخارجية عن أنشطته. وقال يغار إن رئيسه لم يتشاور معه قبل الشروع في مثل هذه المهمة منذ البداية.
وقال بنتسور ردا على ذلك إن بيريس اصدر أوامره بإبقاء المبادرة سرية.
وقال يغار: "كان الأمر سريا جدا لدرجة انه وصل الى صفحات (معاريف). كنت مسؤولا عن آسيا – لقد سحبوا مناورة نتنة من تحتي".
وأضاف، إن محاولة كوريا الشمالية التخلي عن صفقاتها المربحة حول الاسلحة مع ايران والعالم العربي مقابل علاقات اوثق مع اسرائيل غير واقعية تماما وان الخبير في المنطقة يمكن ان يكون قد قرر ذلك منذ البداية.
وتابع: "إنه غباء. إنه هراء من الدرجة الأولى. عندما يكون لديك مثل هذه الفكرة عليك أن تتشاور مع أشخاص، لا تفعل ذلك بسرية، ومن ثم تسرب إلى الصحافة (…) أن تكون اسرائيل صديقة لكوريا الشمالية هو امر سخيف جدا، عندما سمعت عنه للمرة الاولى في مقالة (معاريف) رفضت تصديقه".
وقال يغار، إن استكشاف السبل لمنع الصواريخ من الدخول في الأيدي الخطأ أمر جدير بالثناء، ولكن "لا يمكن إطلاقا بأي حال من الأحوال" أن تتمكن إسرائيل من أي وقت من اقناع بيونغ يانغ على مواكبة هذا الهدف، لأن هذه الصفقات كانت "قيّمة بالنسبة لكوريا الشمالية أكثر من اي شيء يمكن ان تقدمه اسرائيل. إنها واحدة من أبشع الحلقات في التاريخ الإسرائيلي. ولحسن الحظ أنه لم يصدر شيء منها".
من ناحية أخرى، يصر بنتسور وفريقه على أن مهمتهم كان يمكن أن تغير مسار التاريخ. وقالوا إن كوريا الشمالية، اليوم، ستكون دولة مثل الصين لو أن "الموساد" لم يعرقل الأمر – سلطوية، ربما، ولكنها سلمية عموما، وتركز على الرخاء الاقتصادي بدلا من أن تكون عازمة على المواجهة.
وقال بنتسور: "في ذلك الوقت كان هناك جو من التغيير". مضيفا ان البعض في القيادة مستعدون لتوجيه البلاد الى اتجاه مختلف اكثر تأييدا للغرب. وأن خبراء في اليابان وكوريا الجنوبية وحتى مجلة "تايم" تحدثوا عن "انفراج" عندما تم الاعلان عن المحادثات لأول مرة.
وأضاف: "في تلك اللحظة بالذات كان من الممكن تغيير نظام عدواني وخطير الى نظام يركز على تنمية اقتصاده. ليس هناك شك في أنه كان من الممكن ان تكون كوريا الشمالية مختلفة".

عن "تايمز أوف إسرائيل"

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: