سر سحر نتنياهو

2017-08-12

بقلم: رفيت هيخت

المحللون، الخبراء، والخصوم السياسيون يركزون على مضمون الخطاب الباعث على الصدمة والمحرض لرئيس الوزراء. ثمة ما يمكن التركيز عليه، وثمة ما يمكن الشعور بالصدمة نحوه. ولكن من يركزون على نتنياهو ويضخمونه على نحو خيالي الى حجوم الطاغية، يعطون أنفسهم تخفيضات كبيرة. فمن يريد أن يفهم من يعيل هذه الظاهرة التي تسمى بنيامين نتنياهو، ينبغي أن يوجه الكاميرا نحو جمهور مؤيديه، الذي جاء من كل البلاد لإبداء اعجابه به، والذي ينتخبه المرة تلو الاخرى، والذي يتعزز التأييد له بالذات حين تنكشف عورته، سواء من قبل الاعلام أم من محافل انفاذ القانون. هذا جمهور كبير مستعد ليدافع عنه دون صلة بهذا التحقيق أو ذاك مهما كانت نتائجه، ويهرع الى معانقته حتى دون صلة باي أجندة سياسية، رغم المضمون الذي يتظاهر باليميني الناشئ عن خطابه. جمهور يهتف بحماسة لقول «لنا توجد (عامونا) وتوجد (ديمونة) ايضا» – وذلك رغم الحقيقة البسيطة بان «عامونا» اخليت، مؤخرا، اثناء ولايته – يقول في واقع الامر لا يهم ما يفعله نتنياهو، فهو سيكون دوما هناك لتأييده.

ليس سهلا التركيز على هذا الجمهور وذلك ايضا لأنه يخيب امل من يتمنى انتهاء حكم نتنياهو، وكذا لان مثل هذا الموقف يستغله نتنياهو نفسه بنجاعة. كل انتقاد عليه يترجم مباشرة الى تعال تسيدي على جمهور مؤيديه. هو، الذي يقوم بالاستخدام التهكمي والاكثر حدة للعنصرية والشقاق والذي بمجرد موقفه من جمهور مؤيديه وكأنه جمهور اصيل ما، هو وحده يتفهم قلبه الشعبي، يقع في خطيئة التعالي في اعلى مستواها – يحدد كل من يحاول انتقاده كمتعال، كمن يريد أن يغير الشعب.
قال نتنياهو في خطابه، ان سلسلة المؤيدين له تتضمن شرقيين وغربيين ايضا – وكل انواع الاقتباسات الاخرى الرامية الى وصف طيف اسرائيلي واسع. وهو يعرف جيدا ان هذه خدعة. فالجمهور الذي جاء لمعانقته، الاربعاء الماضي، ويقاتل بينه وبين نفسه على حق التقاط الصور له في الهواتف الذكية، كان منسجما في معظمه. شرقيون، سكان المحيط، كيبات سوداء اكثر من كيبات محبوكة. ليس بالضرورة من رجال «الكدح»، مثلما درج على تعريفهم، بشكل مغسول، فقراء، ولكن كمن يكرهون كل ما يصدر رائحة نخبة اقتصادية او ثقافية، جعلته وتجعله ضحية، على حد احساسهم، حتى في الحاضر. بعد 40 سنة من حكم اليمين، لا تزال تلك النخب الوهمية عدواً جباراً ذا اذرع اخطبوطية، بينما نتنياهو، الذي هو نفسه اشكنازي وابن عائلة ميسورة ومتعلمة جدا، هو مبعوثهم المثقف، الجميل، طليق اللسان بل والمتآمر الذي يهزمها.
ان كراهيته الاصيلة للنخب، اكثر من اي شيء آخر، هي التي تحرك الحياة السياسية لنتنياهو. حتى مؤيدوه الاكثر قوة ليسوا اغبياء: فهم يفهمون بان نتنياهو محب للاستمتاع وان ما يهمه اكثر بكثير من الاهتمام بهم هو حفاظه المتزمت على كرسيه. ولكنهم يغفرون له كل شيء لانه يلبي الحاجة، الطلب الصلب والثابت، والا لبقيت بضاعته يتيمة في مخزن التحريض.
امرأة جاءت الى لقاء التأييد بل وعرضت عليه ان يشاركها سفره الى البيت عند خروجها، روت لي ان حكم «مباي» سرق من عائلتها المال، وان الشرقيين في العقود الاولى من قيام الدولة كانوا عبيدا خافوا حتى من التفوه بكلمة. جاء «الليكود» مع قانون التعليم الالزامي ورفع الشرقيين، قالت. فقلت لها ان قانون التعليم الالزامي سن بالذات في زمن حكم «مباي»، فقالت لي تسكتني، لا يهم كنا مدوسين، خفنا حتى من التفوه بكلمة. وروت انه عندما اغتيل رابين، فرحت، ولكني لم استطع اظهار الفرح. ابني الذي مات بعد بضع سنوات في حادثة في الجيش، طلب مني أن اضبط نفسي، أما اليوم فأنا استطيع.
من يريد أن يفهم سر سحر نتنياهو عليه أن ينظر مباشرة الى عيون الناس هؤلاء ممن يؤيدونه وان ينصت الى قصصهم. ليست هذه حربا مع او ضد نتنياهو. هذه حرب ثقافية، ليس نتنياهو بالاجمال لاعبا فيها.

عن «هآرتس»
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: