رواية الصوفي والقصر لأحمد رفيق عوض .. سيرة ممكنة للسيد البدوي

2017-08-08

كتبت بديعة زيدان:

أشار د. إيهاب بسيسو، وزير الثقافة، في تقدميه لرواية أحمد رفيق عوض الجديدة "الصوفي والقصر: سيرة ممكنة للسيد البدوي"، الصادرة عن دار الشروق للنشر والتوزيع في عمّان ورام الله، إلى أنها تحمل الكثير من الدلالات، فهو عمل سردي "من الناحية البنائية يعيد حفر مسار تاريخي ربما من المسارات التاريخية المهمة، والتي لم يتم الإضاءة عليه بالشكل الكافي في المرويات الأدبية، كما هو الحال في إطار التجارب والدراسات النقدية، وهي سيرة حياة أحد أصحاب الطرق الصوفية السيد البدوي، الذي يعد إلى جانب الشيخ عبد القادر الجيلاني، والشيخ أحمد الرفاعي، والشيخ إبراهيم الدسوقي، من أهم أعلام الحركة الصوفية في تاريخ الثقافة الإسلامية".

وأضاف بسيسو، خلال تقديمه للرواية في مقر ملتقى فلسطين الثقافي ودار الشروق بمدينة رام الله، قبل أيام: هذه المرحلة اتسمت بالكثير من الدلالات، فنهضة الصوفية كطريقة فكرية إلى جانب كونها إحدى المدارس الدعوية، وايضاً الإنسانية، والتي اتخذت مساراً خاصاً في تعريف الذات والعلاقة أيضاً مع الله والذات العليا .. كانت إحدى الطرق والمسارات النضالية في زمن الكثير من التفكك، والكثير من التشرذم الذي أصاب العديد من الدول الإسلامية، في إطار تحولات عدة داخلها، وتحديداً عندما نتحدث عن تلك الحقبة الزمنية ما بين نهاية الدولة العباسية وقيام الدولة الأيوبية، وما تلاها من تفكك في الأخيرة، وقيام الدولة المملوكية، وهي حقبة هامة على صعيد الثقافة والفكر وأيضاً النضال السياسي، وهنا تأتي الرواية لتحفر في ثناياها مساراً خاصاً تتبع من خلاله سيرة حياة السيد البدوي.

وتحدث بسيسو عن جوانب خفية يطل من خلالها السيد البدوي عبر قلم أحمد رفيق عوض، من شأنه أن يدفع للتأمل والتفكير في واقع سياسي، "سواء أكان عربياً، أو فلسطينياً، أو إقليمياً، فالسيد البدوي ولد في فاس، وهاجر مع أسرته طفلاً إلى مكة، قبل أن يرتحل قبيل أن يناهز الأربعين إلى العراق، ماراً ببلاد الشام، شاهداً على فتح بيت المقدس بيد الملك الناصر داود، وايضاً مرتحلاً مرة أخرى إلى العراق، ليعود إلى مكة مجددا، ومنها إلى مصر، وتحديداً إلى طنطا، ليتحول إلى أحد رموز الصوفية هناك، حيث لا يزال تقام له تلك الطقوس الخاصة في ذكرى مولده كل عام في المزار الذي يحمل اسمه".

وأكد بسيسو على أنه في إطار الملامح العامة للرواية، هناك الكثير من القراءات، من أبرزها فتح بيت المقدس في عهد الملك الناصر، والذي يحمل دلالات أضاء عليها أحمد رفيق عوض بذكاء شديد، وحرفية روائية عالية، فلجوء الملك الناصر إلى السيد البدوي بعد كشف جانب من كرامات الأخير في رحلته من مكة إلى بلاد الشام، وربما القول بـ"استخدام هذا التأثير الديني لهذه الكرامات، انطلاقاً من قلعة الكرك إلى بيت المقدس، وبعد ذلك تجاهل الدور الديني والروحاني والمعنوي الذي مارسه السيد البدوي، لتنفصل هذه العلاقة بين الملك الناصر وصاحب الطريقة الأبرز في مسار الحركة الصوفية".

وبسيسو الذي تحدث باستضافة عن الرواية، وأهميتها، ودلالاتها على أكثر من مستوى، تحدث عن رمزية السيد البدوي كمثقف في ظل تجربة سياسية وتاريخية مهمة جداً، حيث لقّب بالبدوي لأنه كان يرتدي لثامين في الصيف والشتاء، على طريقة بدو شمال أفريقيا، ولقب أيضاً بالسطوحيّ لكونه كان يفترش الأسطح أثناء تجربته في العراق، وله العديد من الألقاب .. "إنه المثقف الذي سعى لنحت مسار سياسي وديني خاص في ظل الانقلابات السياسية"، الذي كان بطل هذه السيرة المحتملة في الرواية، كما قال صاحبها، وهذا ليس غريباً على صاحب القرمطي الذي يتكئ على التاريخ في توظيف العمل الإبداعي ضمن سياقاته الموثوقة".

بدوره شدد الروائي أحمد رفيق عوض، على أن العمل على رواية "الصوفي والقصر" كان متعباً عن المستوى الشخصي والروحي، "لكوني اقترب من رمز عميق ومؤثر وكثيف أيضاً .. الاقتراب من الرموز الكثيفة إشكالية كبرى، فحين كتبت رواية عكا والملوك عن صلاح الدين الأيوبي لم أظهره إطلاقاً لأنني خفت الاقتراب منه .. السيد البدوي له ملايين الأتباع في غالبية أقطار العالم الإسلامي، وهو كما أشار د. إيهاب بسيسو واحد من أربعة أعمدة للصوفية السنية، وهي صوفية مختلفة كلياً عن الصوفيات الأخرى في الإسلام وغيرها من الأديان، وباعتقادي الاقتراب من هذا الرمز الكثيف عمل جريء، ولم أقدم على ذلك إلا لقناعتي بأن لا حرية دون إبداع".

وقال عوض: كتبت عن القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وهي قرون متوحشة تماماً، كان فيها العالم الإسلامي يعاني من التتار والفرنجة، وتحالفا بينهما ضد المسلمين في بعض الوقت، حيث احتلا حلب سوياً، كما كان هناك الغرب الاستعماري في عكا، بما حملته من مذابح وغزوات، لكنهما كانا قرني التصوف الشعبوي، حيث ظهر الجيلاني، والدسوقي، والرفاعي، وشكلوا مدارس هائلة كمثقفين في مواجهة الغرب، ومن بينهم أيضاً السيد البدوي، ولولاهم لما صمد العالم الإسلامي في مواجهة التحديات الكبرى والهجمات الشرسة التي تعصف به من كل صوب وحدب .. في هذه الرواية، يبرز الإسلام الاحتوائي، والبعيد عن التكفير والإقصاء، وهي مرحلة تحاكي القرنين العشرين والحادي والعشرين. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: