"خمسون غراماً من الجنة" لإيمان حميدان .. المرأة وقود الحرب الدائمة !

2017-07-11

كتبت بديعة زيدان:

"أتربة ونفايات وحيوانات صغيرة ميتة تيبّست جلودها ملأت جوف الكنبة. في إحدى زواياها حقيبة جلدية بهت لونها البنيّ، أصغر حجماً من التي يحملها المسافر داخل الطائرة، مغطاة بالأتربة، ومقبورة في أحد جانبيها (الكنبة)" .. (...) "لكنها (مايا) توصلت بعد جهد إلى فتح الحقيبة لتجد فيها لفافات من الأوراق الملتصقة بعضها ببعض، أكلت الرطوبة جزءاً كبيراً من أطرافها. أوراق تستدعي قراءة ما كتب عليها" .. (...) "لن أتركها هن، قالت مايا لنفسها .. ربما هي كل ما أبحث عنه".

مايا المخرجة السينمائية العائدة من باريس إلى بيروت لسببين: أولهما دفن زوجها الذي يحتضر بسبب مرض السرطان في مسقط رأسه، وثانيهما التحضير لإخراج فيلم عن إعادة إعمار قلب بيروت، إحدى ثلاث نساء شكلن في خطين زمنيين متوازيين يفصل بينهما قرابة العشرين عاماً، الشخصيات المحورية لرواية "خمسون غراماً من الجنة" للروائية اللبنانية إيمان حميدان، الصادرة عن دار الساقي، العام الماضي، والفائزة بجائزة "كتارا" للرواية العربية في دورتها الأخيرة.

وبالعودة إلى الحقيبة، فإن مايا تجد مذكرات تعود إلى النصف الثاني من السبعينيات، أي فترة اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية، لكنها تتناول حكاية عشق ما بين نورا "الهاربة" من سورية إلى بيروت، آنذاك، وكمال التركي الذي تعرفت إليه خلال مهمة عمل لها في اسطنبول .. لم تعثر مايا، خلال رحلة إعدادها للفيلم في أحد البيوت المهجورة على المذكرات فحسب، بل على رسائل كمال لها، والتي كانت نورا تحتفظ بها، قبل الحرب.

تبدأ رواية حميدان حيث تنتهي، فالصحافية السورية الهاربة من بلادها بذريعة العمل، كانت تعرضت شقيقتها هناء لاعتداءات جسدية من ضابط مخابرات سوري كان يتردد على بيت الأسرة، وانتهى بها الأمر منتحرة، وهو الضابط ذاته الذي لاحق نورا في بيروت، التي افتضحته في تقرير صحافي عن ما حدث مع شقيقتها وأسرتها، فاغتالها بكاتم صوت، ووضع جثمانها في سيارة بالقرب من منطقة تتعرض لتفجير إرهابي، ليتبيّن حادث الاغتيال، لتظهر وكأنها من ضحايا التفجير، وفي هذا إشارة إلى عبث النظام السوري وأجهزته الأمنية المختلفة بالساحة اللبنانية لسنوات مضت.

تبني حميدان حكاية روايتها على هذه الرسائل، ما قد يبدو كلاسيكياً، حيث اعتمد العديد من الروائيين والروائيات العرب، على مدار عقود، هذه التقنية في السرد، والتي تقود إلى بناء رواياتهم وفق مخطوطات أو تعويذات أو رسائل، إلا أن حميدان تميزت في "خمسون غراماً من الجنة"، بطريقة السرد المتقطع الذي يجعلها تتنقل بين الأزمنة والأمكنة بخفة ورشاقة، فمرة تأخذ القارئ إلى تركيا بأمكنتها المختلفة، قبل أن تعود به إلى سوريا، دون أن تغفل محطة بيروت، لتسلط الضوء على قضايا سياسية متشابكة بجرأة ملحوظة، فهي كما أشرت تتطرق بوضوح إلى التواجد السوري في لبنان، وما خلفه من آثار سلبية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، غير آبهة بالحديث عما للمخابرات السورية من دور كبير فيما يجري من تصفية شخصيات معينة في بيروت.

حكاية الحب الواضحة من الرسائل بين نورا وكمال، تتطور بشكل متسارع حين تكتب له إنها حامل بطفل منه، حيث كانت اللقاءات تتكرر في كل من اسطنبول وبيروت، هذا الطفل الذي تختفي آثاره منذ كان في عمر ثلاثين يوماً، حين اغتيلت والدته.

أما صباح والتي ورد ذكر اسمها في الرسائل والمذكرات، فهي صديقة نورا، التي سبق أن تزوجت في سن الرابعة عشرة، ولم تنجب من زوجها، قبل أن يتم اختطافه من قبل مجموعة مجهولة، وفي ذلك دلالة على سوء الوضع الأمني والسياسي في بيروت، في تلك الفترة، إلى أن حدث الانفجار في أواخر سبعينيات القرن الماضي.

صباح القادمة من ماردين التركية، هي أيضا تشكل نموذجاً لامرأة مقهورة، تخلى عنها حبيبها، ليزوجها أهلها دون موافقتها من ابن عمتها، فتنتقل للعيش في بيروت التي ترفض مغادرتها، لتعيش الحرب بكامل تفاصيلها، وصولا إلى فترة ما بعد الحرب، حيث بيروت المدمرة التي تحاول الوقوف على قدميها من جديد.

كمال، الذي لا يعرف سر غيابه، أكان الموت، أم غيره، إلا قارئ الرواية حتى صفحاتها الأخيرة، كما هي حال مصير ابنه من نور (كريم)، الذي قالت المذكرات إنه في عهدة صباح، التي أصرت على وضعه على قائمة القتلى، مشددة على كونه كان برفقة والدته وقت التفجير.

الرواية إذا، حكاية ثلاث نساء وأكثر، حيث الشخصيات الهامشية نسوية في غالبيتها، تعود عبرهن حميدان إلى سبعينيات القرن الماضي على وجه الخصوص، وعلى الرغم من الاختلاف الكبير في حكاياتهن، إلا أن ما يجمعهن تعرضهن لظلم مجتمعي، واضطهاد أسري، في إشارة من الكاتبة إلى ما تتعرض له المرأة العربية أينما وجدت في هذا المجتمع الذكوري.

وحول الرواية قالت إيمان حميدان لـ"أيام الثقافة": في كتابتي الروائية أعمل على فترات تاريخية، وهي تكون غالبا فترات أريد الغوص فيها والتعرف إليها.

دائما يسبق الكتابة بحث في تلك الفترة. هذا ما قمت به في الروايات التي سبقت روايتي الأخيرة وفي روايتي الأخيرة أيضا.

أعود إلى فترة معينة والهدف غالبا هو القول إن السلام ممكن في بلداننا إذ تاريخنا يشهد بذلك. فترة كان فيها العيش بسلام احتمال وارد.

وأضافت: لا استطيع التحدث عن شخصياتي النسائية كمقموعات أو مظلومات، رغم أن جانب الظلم موجود إلا أنهن أكثر من ذلك بكثير.

هن حاولن في الحياة الوقوف بوجه الظلم ودفعن الثمن، هن لسن سلبيات .. قاتلن، والنتيجة غير مهمة إن ربحن أو خسرن. المهم موقفهن من الظلم نفسه.

القصد أو السر كما تسألين من استعراض حياة ثلاث نساء لا سر على الإطلاق، أردت أيضا القول إن هناك خلف الحدود المبنية بين البلدان قضية اسمها المرأة تتجاوز الحدود والسياسة.
وشددت حميدان: رائع ذلك التعاضد بين النساء .. هو أمر ممكن كما التنوع الثقافي والعرقي والاجتماعي أمر ممكن أيضا.

وحدها الإيديولوجيات الواحدة المعممة هي التي تكون المرأة أولى ضحاياها.. اخترت فترة السبعينيات لأغوص في تاريخ بالكاد عشته.. كنت مراهقة. ربما هكذا عبر الكتابة استعيد مرحلة من مراحل جيلي سرقت منه بسبب الحروب .. السرد المتقطع ربما سببه يعود إلى تأثري بعملي الأكاديمي الذي قمت فيه ما بين ٢٠٠٢ و٢٠٠٦، إذ أنجزت دراسة أكاديمية وحصلت على شهادة الماجستير، وكان الموضوع يصب في صميم اهتماماتي فيما يتعلق بتاريخ لبنان ومرحلة الحرب الدموية.

وتابعت: عملت بحثا يتعلق بأهالي المفقودين في لبنان ومعاناتهم، ولاحظت أنه خلال المقابلات كان السرد يأخذ وتيرة متقطعة وأحيانا شكلاً أسطوانياً، أي تسرد حكاية الخطف ولا ينتهي السرد بل يعود الذي يروي أو بالأحرى التي تروي كون معظم من قابلتهم من النساء الباحثات عن أفراد عائلاتهن المفقودين.. يسردن ويتوقف السرد ليبدأن من جديد ثم يعدن ببداية أخرى.. هذا مرده أن ذاكرة "التروما" مختلفة تماما عن ذاكرة عادية لقصة عادية.. أردت أن أستعمل في روايتي هذه التقنية، ذلك أن ذاكرة كل فرد فينا هي ذاكرة عانت بشكل أو بآخر من "التروما" أو من الصدمة.

وختمت صاحبة "خمسون غراماً من الجنة" حديثها لـ"الأيام الثقافية" بالقول: لا أعلم إذا كان فوزي بجائزة كتارا أعطى روايتي فرصة أكبر عربياً.. عادة يحصل الكاتب على حقوقه في بداية كل عام وبالتالي من المبكر أن أعلم إذا كان هناك ارتفاع في المبيعات.. أعتقد أن دار النشر (الساقي) تعرف أكثر مني.

 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: