رحلة سلطان مي إلى الشعر .. طفل متسرّب، عتّال، وسائق جرافة!

2017-07-11

كتب يوسف الشايب:

رغم أنه يعمل لقرابة 16 ساعة يومياً كسائق جرافات وشاحنات وعتال في مخازن للحديد والصلب، ورغم أنه انقطع عن حصة اللغة العربية في مدرسته منذ الصف الرابع، ولسنوات، ومع استمرار المآسي التي ترافقه، منذ تهجر أهله من "البروة" داخل فلسطين المحتلة في العام 1948، استطاع الشاعر سلطان مي، ابن البلدة الأصلية للشاعر الكبير محمود درويش، تقديم مجموعة شعرية ذات مستوى رفيع، قاعة الجليل في المتحف الذي يحمل اسم درويش .. والمجموعة بعنوان "على حافة الريح"، صادرة حديثاً عن دار الجندي للنشر والتوزيع.

بدأ مي، الأمسية التي قدمتها الفنانة أمل مرقس، بتحية خاصة، قال فيها: كلما سقط المطر توقف القلب فجأة ليقول ما من ملاك يشبهك .. لولا الحب الذي باغتنا فجأة ليقضم تجاعيد الملل بأسنانه، لكنت الآن فلاحاً أزرع سكاكين العزلة على بعد مترين من قلب قهقهة الليل الطويل، لأختلس من صدري شمساً أشرب من أنين عتمتها رائحة الورود ووجودك، موجهاً الشكر لزوجته سام.

وتابع مي: أقف هنا في متحف محمود درويش وأبتسم للحياة، كسحابة حب، كنشيد ثائر لأغسل بالحلم وجه ابنتي سالي، وبماء البنفسج والياسمين أيضاً، وأقول للحياة ولها شكراً .. ومن فكرة طائرة، عبّدت سلاليّ بالأغنيات، كأن الريح سيمفونية مستوحاة من شبق البراءة وطفولة الفجر .. لحديقتي الراقصة أسيل، أقول اليوم شكراً .. ولشفق الروح على سطح صدري، للعرس الذي حفظ قلبي من عواصف الحزن، للمهر الصغير الذي أتى ليبرك نرجستي المأخوذة باكتمالها، لابني المدلل صلاح، أقول اليوم شكراً.

وليس غريباً أن يبدأ مي أمسية بتوجيه شكر لعائلته بالأساس، خاصة أن زوجته سام هي أول من يقرأ نصوصه، ويناقشه فيها، أما ابنته سالي، ابنة الصف التاسع الأساسي، فهي من يدققها ويحررها، وإن "وافقت عليها سالي تمرّ النصوص"، غير متجاهل توجيه الشكر لمرقس، ولمؤسسة ومتحف محمود درويش، والحضور.

كانت الأمسية تلقائية تكسر الرتابة، فتحدث مي بتحفيز من مرقس عن عمله في الجرافات والمخازن لست عشرة ساعة، وعن تسربه من حصة اللغة العربية لسنوات بعد صفعة من معلم اللغة العربية في الصف الرابع الأساسي بمدرسته في قرية الجديدة، إلى أن جاء أحمد درويش، شقيق "لاعب نرد"، ليعيده إلى الحصة ثانية، وإلى حب العربية لغة مرة أخرى، مع ذلك اعترف بأنه قبل كل أمسية يشعر بأن ضغط دمه ارتفع، وبرهبة وخوف وصفهما بالطبيعي، كونه "اختباراً" أمام الجمهور، والتعرف إلى مدى رضاه مما كتبه شعراً ونصوصاً في مجموعته الجديدة "على حافة الريح"، خاصة أن بين الجمهور أصدقاء وشعراء ونقّادا.

الأصمعي والأب
وأشارت مرقس إلى أن جميع أفراد عائلة مي، حتى ابنه الصغير صلاح، يحفظون قصيدة "صوت صفير البلبل" إلا سلطان، فترددها سالي ابنته، وابن اخيه محمود ابن الثالثة، وهو ما يعكس البيئة التي نشأ فيها الشاعر مي .. وقال: والدي كان يحفظ ما يزيد على ثلاثة آلاف بيت من الشعر الجاهلي، وكان يرددها في جلساته المسائية وسهراته مع الأصدقاء، علماً أنه كان متعهد بناء، ولم يلتحق بأية مدرسة، لكنه كان سريع البديهة، وكان أصدقاؤه في غالبيتهم من المثقفين والمتعلمين .. والدي أثر فيّ كثيراً، وكان يحفزني على حفظ القصائد بمكافآت من نوع خاص، كـ"مشوار إلى مكان أحب"، أو "نوع من الحلوى"، وغيرها، فكتبت أنا الشعر، وكتب أخي محمود الزجل، الذي قال عنه مي: لا مكان لي هناك .. لم أجد نفسي في الزجل.

قصيدة مرتجلة وسلمان ناطور

وحول القصيدة التي ارتجلها سلطان مي في أمسية مشتركة جمعته والراحل سلمان ناطور في دالية الكرمل.. قال: كنت مع الراحل الكبير سلمان ناطور في ندوة لرفض ما سميّ "يهودية الدولة وقسم الولاء"، وكانت هذه الأمسية من باب التصدي لهذا القرار .. كنا بكامل العنفوان ونردد "بالروح بالدم نفديك يا فلسطين"، تقتحم القاعة فجأة فتاة في غاية الجمال شتتت لي أفكاري، وصمتّ لوقت قصير، وطويت الأوراق أمامي، وكان يرمقني سلمان ناطور، وقلت شعراً ارتجالياً فيها "درّب سماءك التي اهترأت خذها يميناً في المدى خذها يسارا .. قم ليتسع التجلي في الهوا فأحيا في ممر بياضها لغة وجسداً وانتصارا .. اترك مكانك لي يا صاحبي يكفي انحدارا .. واترك حيزاً للعشق في ليلي قبل أن يأتي نهارا (...)".

على حافة الريح
وبخصوص اختياره "على حافة الريح" عنواناً لمجموعته الشعرية الجديدة، أجاب مي: جميعنا على حافة الريح: أفكارنا، هواجسنا .. الجو العام متقلب، بل إن ثوابتنا تركناها .. وصلت إلى مرحلة أشعر فيها أننا في أمس الحاجة إلى التحليق، والمكان المناسب لذلك بالنسبة لي كان على حافة الريح، شرفتي الوحيدة.

وأضاف: على كل شاعر أن يتبع أفكاره ومبادئه، خاصة إذا ما كانت حقيقية، وليست مزيفة، بمعنى أنه يقتنع بها تماماً .. أنا أكتب بصراحة، ووضوح، وأصوب كلماتي إلى الهدف مباشرة كما هو أنا، وهذا نهج يختلف عن نهج آخرين .. لكل طريقته في الكتابة، ولي طريقتي، والحديث عن الهدف المباشر لا يعني الخطابية، أو القصائد التي تخلو من التشبيهات والمجازات، لأني بذلك أفقد متعة إشراك القارئ في تأويل ما أكتب.. الشعر عبارة عن لوحة يعبر فيها الشاعر عن نفسه دون عبث غير مبرر في الألوان والمساحات والمضامين الخاصة بهذه اللوحة.

العامل الأنيق و"حصة العربي"
وكشف مي أنه يعمل لقرابة ست عشرة ساعة يومياً كسائق جرافات وشاحنات وعتّال في مخازن للحديد والصلب، وهو ما لا يكشف هندامه الأنيق .. وقبلها كان فرّاناً، قبل أن يبيع مخبزه، رافضاً ما يقال إنه لم يكن متميزاً في المدرسة .. وقال: أعد نفسي كنت متفوقاً، مع أنني لم أحضر حصة اللغة العربية منذ الصف الرابع في مدرسة الرازي بالجديدة حيث كنت أدرس.

"شاغبت كأي طفل، فصفعني المعلم على وجهي، وهو ما كسرني من الداخل، ودفعني لرفض حضوري حصة اللغة العربية لسنوات استمر فيها ذات المعلم بتدريس المادة، وكان ذلك دون علم أسرتي .. كنت أتحصل علامات متميزة في بقية المواد، وهو ما كان يغفر لي إخفاقي بالعربية، الذي كنت أعد والدي بتجاوزه في العام المقبل على أمل تغيير المعلم، إل أن عدت قبل التوجيهي بفضل أستاذي أحمد درويش، الذي حببني باللغة العربية، وكان يتفاعل معي .. عدت ولكن متأخراً".

نصوص
وقرأ سلطان مي العديد من نصوص مجموعته "على حافة الريح"، من بينها قصيدة نقدية للانتقاد الدائم من الآباء والأجداد لأبنائهم باعتبارهم "فاشلين"، اختار أن تكون على الغلاف الخارجي للمجموعة .. وقال فيها: "جدتي عدّلت نظام المطر .. وأمي عجّلت مواسم الحصاد .. جدّي حمل النهر من مجراه ليشبع ظمأ الأرض .. وأبي بنى بيوتاً من الإسمنت والرماد .. أختي علقت أراجيحها بين أجساد السكارى .. وأنا من مارس الحب مع مومس، أنا من باع البلاد".

وختم مي المتواضع والتلقائي، والساعي إلى تطوير نفسه باستمرار كما قال، حديثه بعبارة: لطالما أكدت مراراً وكتبت "غريب أن ينتج جهلي بقواعد اللغة، حرفاً مجروراً بإعجاب القراء". 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: