الأب لويس .. حكاية دير اللطرون وما تبقى من عمواس

2017-06-12

كتب يوسف الشايب:

"في الأيام التي سبقت الذكرى الخمسين لحرب حزيران، تأججت مشاعري بشكل كبير أكثر مما كنت أعتقد وأتصور، وبت أسترجع كل الصور .. كراهب أصلي حتى يحل السلام، وحتى يأتي مسؤولون يتحلون بالإنصاف والعدالة، ولا أكره أي إنسان، لكنني لست حجراً، ولديّ مشاعر تجاه جيراننا في عمواس ممن عايشناهم قبل العام 1967، وآويناهم بدير اللطرون خلالها، هم من شاركوا بشكل كبير في بناء الدير .. كلما أتذكر ما حدث أذرف دموعاً كثيرة، فهناك أناس تم امتهان كرامتهم وهم عزّل، وكل ما فعلناه هو أننا حاولنا التخفيف من آلامهم" .. بهذه العبارات بدأت الأب لويس وهبة، الحديث لـ"الأيام" عن ذكرياته قبل نصف قرن، حين آوى والرهبان في دير اللطرون، الفارّين من قصف ومجازر قرية عمواس المجاورة.

ودير اللطرون المبني في القرن التاسع عشر على أراضي عمواس، هو أحد أهم معالمها الناجية من الهدم، إثر احتلالها في العام 1967.

وتذكر الأب لويس: عشت سنين طويلة مع أهالي عمواس، حيث كان العديد منهم يعملون في دير اللطرون .. دخلت الدير العام 1951، وعشت سنوات طويلة مع أهالي عمواس، وأكلنا الخبز والزيت والزعتر مع بعضنا البعض، والكثير من وجوههم لا تزال محفورة في مخيلتي.

وأضاف: عندما وقعت النكسة العام 1967، كانت الدموع ترافقي على الدوام .. لم أتصور أنه في يوم وليلة سيتغير كل شيء، وخاصة في محيط دير اللطرون الذي تأسس العام 1890 .. أقول دون مبالغة إن أهالي عمواس هم من بنوا دير اللطرون .. حين وصلت إلى الدير لأول مرة كان نصفه مبنياً، وكنت شاهد عيان لمساهمتهم ليس فقط في إتمام البناء بل في حياتنا ووجودنا نحن من في داخل الدير، فلولاهم لما تمكنا من إتمام بناء الدير، وليس هذا فحسب، بل كافة الأمور المتعلقة بشؤونه.

ويحتفظ الأب لويس، كما أشار، بصورة من أرشيف الدير لأسماء أهالي عمواس الذي كانوا يعملون في دير اللطرون يوم الإثنين الخامس من حزيران للعام 1967، وعددهم خمسة وخمسون، وكان آخر يوم في عمر هذا السجل، مؤكداً اعتباره دير اللطرون امتداداً لعمواس.

وأضاف: على إثر حرب العام 1967 آوينا في الدير عدداً كبيراً من أهالي القرية، وتحديداً في "السرداب"، حيث كان القصف على أشده ...في العام 1967، وحين قدم الجيش لـ"يأخذ الناس الموجودين عنّا"، أتذكر ما قاله أبونا حنا لبعض أهل عمواس حينها، "لو تبقى لدينا قطعة خبز وحيدة فقط لاقتسمناها بيننا".

وكان الأب لويس، وفي فيلم "عمواس" للمخرجة ديمة أبو غوش، استعان بمذكرات الأب خوري، أحد رهبان دير اللطرون، حول حادثة الإيواء في دير اللطرون، فقال على لسانه: بقيت جميع هذه العائلات معنا حتى الثاني عشر من حزيران 1967، وفي ذلك اليوم أمرهم ضابط إسرائيلي بالذهاب جميعاً إلى رام الله، وكان جنود إسرائيليون آخرون في المكان، للتأكد من تنفيذ الأوامر دون تأخير، وأرغموا الناس على الخروج من الأقبية .. أنا محطم من الحزن، لا يمكنني أن أقف وأشاهد جميع هؤلاء الأبرياء يعانون دون أن ينشطر قلبي.

عمواس التي أقيم على أراضيها ما بات يعرف بمتنزه "كندا بارك"، في مفارقة عجيبة، لا يزال مهجّروها ينظرون إلى دير اللطرون كجزء محرر ومستهدف في آن، ففي الرابع من أيلول العام 2012 تعرض الدير للحرق على يد جماعات يهودية متطرفة، بعد أن خطوا على جدرانه عبارات تسيء للنبي عيسى.

وقال الأب لويس حينها، خلال استقبال وفد تضامني من القدس: الاعتداء على دير اللطرون لا يختلف عن الاعتداء على المساجد وحرقها، فكل ما هو فلسطيني عربي يقع في دائرة الاستهداف سواء أكان إسلاميا أو مسيحيا، لافتاً إلى أن "هذا الدير قائم منذ 120 عاما وأنا أخدم فيه منذ أكثر من 60 عاما".. وأضاف: لا أفهم سبب الاعتداء على مكان عبادة وصلاة، يقدم الخدمات لكل الناس بغض النظر عن الدين والعرق واللون.

ويقع دير اللطرون غرب مدينة القدس، وأقامه رهبان كاثوليك فرنسيون في العام 1890، وكان ملاصقاً لقرية عمواس الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل في العام 1967 ودمرتها وطردت أهلها مع أهالي قريتي يالو وبيت نوبا.

وأكد الأب لويس: "نحن عزل ولا نريد أن يكون لنا سلاح سوى المحبة التي نعتبرها أقوى سلاح.. نحن نسّاك نصلي سبع مرات باليوم ونستقبل كل الناس"، معبراً عن أمله مجدداً في أن يدرك المسؤولون أهمية "تنشئة الجيل الجديد على عدم الكراهية والحقد".

وختم لـ"الأيام": عمواس لا تزال موجودة إلى يومنا هذا، فنحن نمثلها، ونعتز ونفتخر بذلك .. حتى اليوم، هناك من أهالي عمواس، وإن كانوا قلة، يعملون في الدير، وحين يزورنا أي من مهجري عمواس نشعر بسعادة كبيرة .. عمواس نحن، ونحن عمواس .. في الدير الآن، أنا وأبونا بولص الذي كان رئيس الدير لسبعة وعشرين عاماً، نحن فقط من بقينا ممن عاشوا نكسة حزيران في دير اللطرون. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: