آراء

ما السبب الحقيقي لرفض إسرائيل السلام؟

ماهر عثمان

2017-05-19

وسط الجدل حول إمكانات حل للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي على أساس دولتين، يقدم مؤلف كتاب جديد، صدر بالإنكليزية، عنوانه «اللغة الوحيدة التي يفهمونها: فرض حل وسط في إسرائيل وفلسطين»، شرحاً لـ «السبب الحقيقي» لفشل عملية السلام بين فلسطين وإسرائيل على الرغم من المبادرات الكثيرة والمفاوضات المطولة على مدى عقود من الزمن لإيجاد حل للصراع.
يقول مؤلف الكتاب نيثان ثرول: إن السبب باختصار هو أن كلفة عقد صفقة سلام، بالنسبة لإسرائيل، أعلى بكثير من كلفة عدم عقدها.
يشرح المؤلف: إن الفلسطينيين يرفضون اتفاقاً يعطيهم أقل مما سلمت لهم به قرارات الشرعية الدولية وغالبية دول العالم: دولة مستقلة على حدود 4 حزيران 1967، تضم الضفة الغربية وقطاع غزة مع معبر بينهما والقدس الشرقية عاصمة للدولة، وإجراء تعديلات طفيفة للحدود بتبادل أراض متساوية مساحةً ونوعاً، وتسوية عادلة لقضايا اللاجئين والمياه ومسائل الأمن وإطلاق الأسرى.
السبب الذي جعل إسرائيل تختار عدم القبول باتفاق ينهي احتلالها ويلبي المطالب الفلسطينية الآنفة الذكر واضح في نظر ثرول وهو: «أن الأضرار التي ستتكبدها إسرائيل بعقدها صفقة من هذا النوع ستكون ضخمة: مظاهرات ترفض السيادة الفلسطينية على القدس والحرم الشريف، وتمرد المستوطنين وأنصارهم واحتمال حدوث سفك دماء خلال إجلاء المستوطنين، وإمكانية انشقاق الجيش لأن ثلث ضباط المشاة على الأقل من المتدينين، وفقدان الجيش السيطرة على الضفة الغربية، وضعف قدرة إسرائيل على جمع معلومات استخباراتية وتقلص قدرتها على المناورة في أي حروب في المستقبل. كما أن المعبر بين غزة والضفة سيزيد المخاطر الأمنية، ولن تعود إسرائيل قادرة على استغلال موارد الضفة الغربية، خصوصاً المياه».
كل تلك «الأضرار»، من وجهة نظر المسؤولين الإسرائيليين، لن تعوض عنها أي فوائد يمكن أن تجلبها صفقة سلام، كفتح الأسواق العربية أمام مصالح الأعمال الإسرائيلية وتلقي مزيد من المساعدات المالية والضمانات الأمنية من أميركا وأوروبا. ويستنتج ثرول أنه «كان وسيظل من غير المنطقي بالنسبة إلى إسرائيل استيعاب أكلاف اتفاق عندما يكون ثمن البديل ضئيلاً بالمقارنة. إن عواقب اختيار طريق مسدودة لا تشكل خطراً: اتهامات متبادلة بشأن سبب عدم الاتفاق، جولات محادثات جديدة، و(لكن مع) الاحتفاظ بالسيطرة على كامل الضفة الغربية من الداخل وعلى قسم كبير من قطاع غزة من الخارج. وفي هذه الأثناء تستمر إسرائيل في الحصول على معونة عسكرية من الولايات المتحدة تزيد على ما تتلقاه بقية دول العالم مجتمعة».
وهكذا فإن أي إستراتيجية قائمة على أساس أن إسرائيل ستتصرف بصورة غير عقلانية ستكون إستراتيجية فاشلة. أو لن تحيد إسرائيل عن موقفها جراء تخويفها بأنها إذا لم تقتسم البلاد فلن تكون دولة يهودية أو ديمقراطية، أو تحذيرها بأنها إذا لم تقرر عما قريب إعطاء الفلسطينيين المواطنة أو السيادة فستصبح دولة أبارتايد. ذلك أن بإمكان إسرائيل أن تنتظر لترى إن كانت هذه المخاطر ستتحقق في المستقبل. ويقول ثرول: إنه إذا تحققت المخاطر «فإن بوسع إسرائيل أن تعقد صفقة. وربما ستسبب مشقة الحياة بالنسبة إلى الفلسطينيين في هذه الأثناء هجرة كافية قد تعمد معها إسرائيل إلى ضم الضفة الغربية من دون التخلي عن الغالبية اليهودية للدولة. أو ربما سيستوعب الأردن الضفة الغربية ومصر قطاع غزة، وهي نتيجة أفضل من قيام دولة فلسطينية في نظر مسؤولين إسرائيليين كثيرين».
لقد أثبت التاريخ أن سياسة الانتظار أعطت إسرائيل دوماً أكثر مما كان معروضاً عليها من الأمم المتحدة والدول الكبرى. وهي تعمل الآن على قضم أجزاء واسعة من نسبة الـ 22 في المائة من مساحة فلسطين والتي قبلت بها منظمة التحرير الفلسطينية.
يرى ثرول أنه إذا ما واجهت إسرائيل خطر دولة واحدة (في فلسطين الانتدابية) فسيكون بمقدورها تنفيذ انسحاب من جانب واحد «ولكن ذلك الخطر ما زال بعيداً». وهو يشير إلى أن الفلسطينيين والإسرائيليين أبعد الآن عن دولة واحدة مما كانوا عليه في أي وقت منذ بدء الاحتلال في 1967: ذلك أن الجدران والسياجات تفصل إسرائيل عن غزة وعن 90 في المائة من الضفة الغربية، وللفلسطينيين «شبه دولة» في المناطق المحتلة لها برلمانها، واستخباراتها ومحاكمها ووزارة خارجيتها، ولم يعد الإسرائيليون يتسوقون في نابلس وغزة، كما لم يعد بمقدور الفلسطينيين الوصول الى تل أبيب بحرية.
يؤكد ثرول أن مبادرة السلام العربية لا يمكن أن تزحزح إسرائيل عن موقفها الحالي ويعدد المناسبات التي اضطرت فيها إسرائيل – تحت تهديدات بعقوبات أميركية – إلى اتخاذ خطوات معينة كالانسحاب من سيناء وقطاع غزة بعد العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 في عهد الرئيس آيزنهاور، واضطرارها لتنفيذ الانسحاب الثاني من سيناء في 1975 تحت تهديد الرئيس فورد بعدم تزويدها بشحنات أسلحة جديدة، وانتهاء باضطرار رئيس وزراء إسرائيل إسحق شامير إلى حضور مؤتمر مدريد للسلام في 1991 تحت تهديد وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر بحجب ضمانات قروض قيمتها 10 مليارات دولار.
 لكن ثرول يضيف: إن الولايات المتحدة لم تنظر منذ نهاية الحرب الباردة مجرد نظر في تهديد إسرائيل بأي عقوبات أو ربط المعونات الضخمة لإسرائيل بأي شروط. ويتابع ثرول: «إلى أن تصوغ الولايات المتحدة وأوروبا إستراتيجية لجعل ظروف إسرائيل مرغوبة أقل من التنازلات التي ستقدمها في اتفاق سلام، فإنهما تتحملان المسؤولية عن نظام الحكم العسكري الجائر الذي تستمران في تمويله».

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: