آراء

مستقبل الكوريتين في عهد مون جاي

هاني عوكل

2017-05-19

لم يُخفِ الرئيس الكوري الجنوبي المنتخب، مون جاي إن، استعداده لتحسين العلاقات مع الجارة كوريا الشمالية، فهو المعروف عنه أنه ينحدر من قرية هونغنام في الأخيرة، وكان نشر كتاباً في وقت سابق ذكر فيه أنه يفكر بقضاء ما تبقى من حياته في هذه القرية يعمل دون أجر.
مون جاي الذي هرب والداه من كوريا الشمالية خلال الحرب في شبه الجزيرة الكورية التي وقعت بين 1950 و1953، كان شاهداً على المعاناة التي حلت بالكوريين عموماً، وهو نفسه عايش حكماً متسلطاً في كوريا الجنوبية برئاسة بارك تشونغ.
غير أن الرئيس المنتخب تخرج من كلية القانون وعمل محامياً، واختبر الحرب وحالة التوتر الدائمة بين الكوريتين، حينما دخل الخدمة الإجبارية في الجيش الكوري الجنوبي عام 1976، وشارك في عملية نفذتها بلاده رداً على قتل كوريا الشمالية جنديين أميركيين في منطقة حدودية تقع بين الكوريتين.
مون جاي لم يخض الانتخابات الديمقراطية التي جرت لأول مرة في كوريا الجنوبية عام 1987، لكن هذه التجربة التي تراكمت عبر السنوات، أنتجت نظاماً ديمقراطياً من العيار الثقيل قائم على سياسة الفصل بين السلطات واحترام الحريات والرأي العام، بدليل اتهام الرئيسة السابقة بارك جين هاي بالفساد وإقصائها من منصبها في آذار الماضي.
لدى الرئيس الكوري الجنوبي الجديد أجندة حددها خلال ترشحه للانتخابات الرئاسية، حيث أنه ينظر للوضع الاقتصادي بعناية بالغة، فهو الذي يطمح إلى تحسين عجلة الاقتصاد الكوري الجنوبي، هذا الاقتصاد الذي يحتل مركزاً متقدماً على سلم الاقتصادات العالمية.
أضف إلى ذلك أنه مهتم لجهة تخفيف حدة التوتر بين الصين والولايات المتحدة الأميركية، وبخصوص علاقته بالأخيرة فإنه يعتقد أنه آن الأوان لأن تقول سيول لا لواشنطن في قضايا تهم مصيرها القومي وسيادتها الوطنية. وبخصوص الصين معلوم أن العلاقات بينها وبين كوريا الجنوبية ليست على ما يرام أيضاً، على خلفية نشر نظام الدرع الصاروخي الأميركي «ثاد» في العاصمة الكورية الجنوبية سيول.
على هذا الأساس يبدو أن الرجل منفتح في الحديث والتفاوض مع الجميع، فحين يقول: إنه مستعد لزيارة بيونغ يانغ إذا اقتضى الأمر، وزيارة الصين بعد يوم على فوزه في الانتخابات، فهذا يعني أنه يرى في التفاوض السلمي والدبلوماسية الناعمة طريقاً في تنفيذ سياساته.
فوز مون في الانتخابات أنهى عشر سنوات من حكم المحافظين، الذي شهدت فيه سيول نجاحات دبلوماسية واقتصادية كثيرة، غير أن أجواء التوتر ظلت حاضرة مع الجارة بيونغ يانغ، على خلفية قوة العلاقات الإستراتيجية الأميركية- الكورية الجنوبية، والتشاحن الدائم بين الكوريتين بسبب عديد التجارب الصاروخية التي أقدمت عليها كوريا الشمالية، والتجارب النووية المتوالية.
صعود مون إلى سلم الحكم لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة بين الكوريتين، خصوصاً وأن الولايات المتحدة تقف موقفاً حاسماً تجاه التجارب النووية وغير النووية التي تجريها بيونغ يانغ كل فترة، وترى واشنطن أن وجود حليفين ثقيلين هما اليابان وكوريا الجنوبية، يشكلان حائط الصد لمنع أي تمدد أو تفوق صيني في شرق آسيا. كما أن مون نفسه عنده ذات الموقف المبدئي مما تقوم به كوريا الشمالية، وإن كان يرى أن الحوار ممكن رغم ذلك.
في كوريا الجنوبية جيش أميركي تعداده 28 ألف عسكري، بما يضمن وجوداً عسكرياً أميركياً في شرق آسيا، وهذا ينسحب أيضاً على اليابان التي يتمركز فيها حوالى 47 ألف جندي أميركي في جزيرة أوكيناوا الواقعة أقصى جنوب اليابان.
لن تتوقف عملية الشد والجذب بين الفرقاء الدوليين في شبه الجزيرة الكورية، خاصةً وأن هناك طموحات في هذه المنطقة، وأولويات تختلف من دولة إلى أخرى، ذلك أن الصين تشتغل على سياسة التمسكن حتى التمكن، وهو أسلوب يركن إلى التدرج في بناء القوة وتعظيمها.
الصين تنظر بحساسية لمسألة الوجود الأميركي في بحر الصين الجنوبي، وواشنطن تسعى لاحتواء بكين، حيث نشرت أنظمة صواريخ اعتراضية في كوريا الجنوبية واليابان، وسعت إلى تحسين علاقاتها العسكرية مع فيتنام وإندونيسيا والهند وأستراليا.
وكوريا الجنوبية كما هو حال اليابان، تطمحان إلى تنمية قدراتهما الاقتصادية والسياسية بهدوء ودون إثارة أي مشكلات، أما كوريا الشمالية فلديها طموحات عسكرية تقيها كف الأذى عن العقوبات الدولية والأميركية تجاهها.
إذن هناك ثلاثة عوامل مهمة تتعلق بالعلاقات بين الكوريتين، تؤثر على طبيعة التفاعلات بينهما إن سلباً أو إيجاباً. أما العامل الأول فهو الضغط الأميركي على كوريا الجنوبية بشأن طريقة تعاملها مع كوريا الشمالية، إذ لن تتخلى واشنطن عن سياسة البعبع الكوري الشمالي، وتهويل المخاوف إزاء دور بيونغ يانغ السلبي مع سيول.
العامل الثاني يتعلق بكوريا الشمالية نفسها، فموقفها بخصوص تطوير قدراتها النووية والصاروخية لم يطرأ عليه تغير حتى الآن، بصرف النظر عن وجود مون جاي في الحكم، لكن وجوده قد يفرمل إلى حد معين من الحساسية المفرطة تجاه البلدين لا أكثر.
وبالنسبة للعامل الثالث فإنه ينسحب على البيئة الداخلية في كوريا الجنوبية، هذه البيئة التي تهيأت للتعامل مع مستجدات الأوضاع في كوريا الشمالية، وحيث لا يمكن للرئيس الكوري الجنوبي أن يغير علاقاته مع بيونغ يانغ بكبسة زر، فهناك مؤسسات تتمتع بالاستقلالية وصوتها قد يكون مختلفاً عن صوت الرئيس مون جاي.
الحديث عن تغير جذري في العلاقات بين الكوريتين، هو أمر مرتبط بالتعامل بينهما بطريقة تقوم على حل الخلافات الجانبية وتخفيض أو إزالة الأسباب التي تدعو إلى التوتر، دون إغفال اللاعبين الدوليين، مثل: الصين والولايات المتحدة وروسيا.
هناك مثل يقول: «كثرة الطباخين تفسد الطبخة»، وهذا ينطبق تماماً على الوضع في شبه الجزيرة الكورية، خصوصاً وأن الكوريتين تتمتعان بعلاقات صحية وإستراتيجية مع دول تتناقض أجنداتها في شبه الجزيرة الكورية.
مون جاي على الرغم من أنه لاعب مهم ومؤثر في شبه الجزيرة الكورية، إلا أنه لن يتمكن من نزع فتيل الأزمة مع كوريا الشمالية، لكنه قد يفلح في إذابة جزء معقول من جبل الجليد مع جارته بيونغ يانغ، هذا إذا نزلت الأخيرة عند رغبته في تحسين العلاقات وفتح قنوات للحوار المباشر والبنّاء.  

[email protected]

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: