الروائي محمود الريماوي في مسقط رأسه بعد أكثر من نصف قرن!

2017-05-17

كتب يوسف الشايب:

بمجرد أن دخل إلى منزل جده والد أبيه، حيث ولد، في بلدة بيت ريما، شمال غربي رام الله، حتى تغيرت ملامحه، وكأنه صغر أكثر من نصف قرن .. المنزل الذي لم يعد منزل عائلته أشعل ذاكرة الروائي محمود الريماوي، فبدأ يتذكر ويروي الحكايات .. هنا كان ينام جدي الشيخ أحمد، وكان هناك «خم» للحمام، لكن الباب تغير، كان باباً خشبياً كبيراً.

واستثمر الروائي الريماوي، صدور تصريح زيارة له للمشاركة في فعاليات ملتقى فلسطين الأول للرواية العربية، لزيارة مسقط رأسه وبلدته الأصلية، بعد غياب استمر واحداً وخمسين عاماً، حيث كانت الزيارة الأخيرة له إلى بيت ريما في صيف العام 1966، هو الذي سكن طفلاً في مدينة أريحا، ومن ثم عمّان التي يسكنها إلى اليوم .. «اعتدنا أن نزور بيت ريما مع بداية العطلة الصيفية، لكن احتلال الضفة كان في الخامس من حزيران للعام 1967، ولم يكن العام الدراسي انقضى .. لو تقدم العام الدراسي لأيام، أو تأخر الاحتلال لأيام، وكنا هنا في زيارتنا الصيفية لتغير الكثير من تفاصيل حياتي».

الريماوي الذي وصف زيارة منزل جده السابق بـ"المداهمة"، دهمته طفولته مع كل مشهد كان يراه داخل المنزل وخارجه، فتذكر كيف كانت جدته تصحبه إلى الأرض فجراً لالتقاط التين من على شجر كان لهم، ووضعه في سلة يدوية من صنع الجدة، وفوقها أوراق شجر التين نفسه للحفاظ عليه يانعاً، والعودة قرابة السادسة صباحاً .. «كانت الرحلة تستغرق ثلاث ساعات ذهاباً وإياباً، لربما كانت جدتي عزيزة تنطق بثلاث كلمات، تنقص أو تزيد قليلاً خلالها».

كان جده يسهر، وعند الثالثة بعد منتصف الليل ينادي «عزيزة سويلنا هيطلية»، و»الهيطلية» عبارة عن خليط متماسك وكثيف يصنع من الحليب المغلي ونشا القمح، وكذلك استذكر «الخبيصة»، وتصنع من منقوع الخروب الأسود الناشف والنشا، و»المكيكة»، وتصنع من الحليب والخروب الأخضر .. يتحدث ويتأمل الغرفة التي احتفظت بكثير من حكايات طفولته مع جديه أحمد وعزيزة، هو الذي تناول في منزل الحاج عطية زيدان (أبو عوض)، وبناء على رغبته «البحتية»، وتصنع من الحليب والأرز، وتؤكل عادة بعد تبريدها.

وتحدث عن تحضير الطعام في المنزل، حين كان طفلاً، فلم يكن ثمة «غاز ولا أفران» .. كانت جدته كما غيرها تطهو على «الموقدة»، وهي عبارة عن صفين متقابلين ومتقاربين من الحجارة، يوضع بينهما الحطب ثم يشعل قبل أن يهبط قدر الطعام المنوي طهيه فوق النار الملتهبة .. وقال مداعباً لمرافقيه إلى المنزل، ثم في جولة في بلدة بيت ريما، وجارتها الملتصقة قرية «دير غسانة» .. قال: «أتذكر عصر ما قبل الكبريت»، لكنه استطرد: الكثير من ملامح المنزل وكذلك بيت ريما برمتها تغيرت، لولا مساعدتكم لما استدللت عليه .. لم تعد تلك الغرفة التي تقابلها «العريشة» على قيد الحياة، كما جدته وجده الذي «تزوج سبعة»، وإن كانت حكايات الريماوي تبدو غضة، وكأنها حدثت بالأمس القريب، فتذكر «البنورة»، و»الشمبر»، و»اللوكس» الذي عادة «ما كان يستخدم في الأعراس»، ومن يملكه كان «زعيماً»، لكونه «كان يضوّي نص الحارة».

في الجولة تحدث عن موقع كان مكتب البريد في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لم يعد موجوداً، وعن المستوصف الذي لم يتوقع أنه بقي على حاله، مع توسعته، فخاله بنياناً آخر .. شوارع كان مشى عليها الريماوي طفلاً اندثرت، والمسافات بالنسبة إليه لم تعد كما كان يتوقعها .. «كنت أتوقع أن المسافة ما بين منزلنا وذاك المنزل 300 متر، بسبب المساحات الفارغة، آنذاك، وإذ بها تتقلص إلى الثلاثين، أو هي المساحة الحقيقية مع تراص المباني».

وفي الطريق توقفت السيارة أمام منزل لصديق من أصدقاء طفولته يدعى عيد .. عرفه عيد من نافذة السيارة، وقال: «محمود .. وقبّله بعد أن نزل إليه»، مضيفاً: ما زلت أتذكر كيف كنت محباً للقراءة، وتأتي إلينا صيفاً بالكتب، وتحرص على قراءة الصحف عندما كنت في الصف السادس»، ليصحح الريماوي المعلومة بعدها «كنت أكتب في الصحف وأنا في الصف السادس، وخاصة المسائية منها .. خواطر ونصوص».

أطل من منزل آخر في البلدة على الساحل الفلسطيني، فبيت ريما كانت تتبع لقضاء اللد التي تبعد عنها قرابة 19 كيلومتراً ما قبل النكبة، وتتبع الآن محافظة رام الله والبيرة، وتبعد عن رام الله 27 كيلومتراً .. وبينما استمرت الجولة زار «مقام الخضر»، و»الخواص»، وهو مقام في دير غسانة، كما التقى مصادفة بأبناء عمته، وعرفه أكبرهم، وزار أبناء عمومته، وإن كان فجع بسقوط شهيد شاب، وتحسر كغيره «على شبابه»، في مواجهات النبي صالح، يوم الجمعة، وهو ذات يوم زيارة الريماوي لمسقط رأسه، عند البرج الذي كان عبره قبل اندلاع المواجهات بساعات.

غادر الريماوي مسقط رأسه مساء الجمعة، بعد أن ملأ رئتيه بهوائها، واستعاد الكثير من ذاكرته الخصبة فيها، وكأن شهيته مفتوحة للحديث عن تفاصيل لربما لم يروها قط، أو لم يتحدث عنها في عين المكان الذي وقعت فيه.

هو اليوم في عمّان، حيث يعيش، ولا يزال مسكوناً بتلك الزيارة إلى فلسطين كلها، وبيت ريما خاصة، هو الذي كتب على صفحته في «فيسبوك»: عدت من فلسطين بعد أن أمضيت أسبوعاً في ربوعها بمشاعر جيّاشة. 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


أطراف النهار
حسن البطل
كان ياما كان .. كانت «كتيبة الجرمق»!
مقالات
ريما كتانة نزال
«جبّ الديب» من خلال عيون نسائها
مقالات
د. خالد الحروب
الوزير اليهودي المُنصف الذي...
مساحة للحوار
د. فيحاء عبد الهادي
مائدة السلام النسوية 2017: سؤال...
دفاتر الأيام
عادل الأسطة
فدوى طوقان والآخر اليهودي
اقرأ المزيد ...