شجار في السابعة صباحاً

2017-04-19

سامح خضر

يخطر لي بعد الانتهاء من قراءة ديوان الشاعر وليد الشيخ "شجار في السابعة صباحاً" أن انفتاح الشعر واستناده إلى اللامرئي واللايقيني هو ما يجعله قابلاً للتأويل وتأسيساً للمشترك بينه وبين القارئ. وهو ما يجعله أيضاً غير مقتصر على اللغة التي كتب بها، ولا على متلقٍ ينحاز إلى لغة الشعر الأولى. فيصبح الشعر هنا صالحاً لكل لغة ولكل قارئ ويصبح التكافؤ بين الشاعر وقارئه سمة العلاقة غير القائمة على النفي المسبق أو دونية القارئ وفوقية الشاعر. فتارة يصبح الشاعر أمام القارئ يرشده إلى مقاصده، وتارة يقف خلف القارئ يطلب منه الدلالة والإشارة، وتارة يقف إلى جانبه كغريب جلس إلى جوارك في حافلة بلا وجهة محددة.
إن ما يميز شعر وليد الشيخ هو انشغاله الكبير بالحيز العام وسعيه الدؤوب لنقله إلى الحيز الأدبي دون نسخ أو وصف، وهو صميم الكتابة الشعرية الإبداعية، دون أن يغفل تطويع الحيز الأدبي ليكون إشارة إلى الحيز العام الذي جاء منه الشعر. الشعر هنا هو رحلة بحث عن أرضية مشتركة مع القارئ ليختلفا معاً فيها على كل شيء بدءاً من الشعر وانتهاءً بكل شئ. رحلة يَصنع من خلالها وفيها قارئاً يقول: "لا بأس" بعد أن ينتهي من قراءة الديوان. شعر يريد أن يؤسس فيه علاقة مع الآخر نقضاً لمقولة سارتر: "الجحيم هو الآخرون"، واستناداً إلى "أنا" الشاعر المراوغة التي يقول عبرها كل شئ دون أن نستطيع إدانته على مقولاته في القصائد. هي أكثر من "أنا"، تتحدث واحدة فتصير "الأنوات" الباقية آخرين:

هل تريدون شعراً جديداً هذه المرة؟
إذن:
عليكم بناء مترو
وممرات مشاة
وبارات كثيرة كثيرة
وبيوت دعارة
وأحزاب بلا أمناء عامين
وجرائد صفراء وحمراء

في ديوان "شجار في السابعة صباحاً" لا يمكن فصل الشاعر عن قصائده، فهو هنا، أي الشعر، أكثر من مجرد كلمات نثرت على صفحات الديوان، بل رحلة روح وليد الشيخ من المخيم إلى مدن عديدة حملت فيها الروح الشاعر، وحمل الشاعر فيها روحه في رحلة طغى عليها اللايقين. روح لم تنفصل عن شاعرها ولم تتحد معه أيضاً ومنحته إيقاعاً شعرياً لا تعرفه الطبول والأبواق ولا تستطيع آلة موسيقية أن تلحق به. إيقاع لا خصائص له سوى أنه صناعة وليد الشيخ، إيقاع صنعه وليد الناجي من صراع الحضارات، وحلقات التنظير الحزبي، وصفحات التواصل الاجتماعي، وتقريرية ماركس، وفردوس جون ميلتون المفقود، ونظرية التفكيك لجاك دريدا، ومجالس النهش الثقافي، واجتماعات الطوائف، وحلقات تحفيظ القرآن، واجتماعات مخاتير العائلة، ومن ورشات العمل عالية الكلفة في أفخم فنادق أريحا، وربطات العنق، وحفلات إطلاق الكتب، والأمسيات، والمنابر، ولقاءات بعد الثامنة مساءً، ومن المرافعات العنترية إلى الأحاديث المطمئنة مع المتهمين، ومن فتاوى يوسف القرضاوي، وكآبة شوبنهاور، وغموض الفريد هتشكوك، ليقع بكامل إرادته في حضن "خولة" التي منحته نوتة أبدية يسجل عليها إيقاع قصائده.

من الصعب علي
أن أراكِ يا خولة الآن،
ولا أصدق نبوءاتك الكثيرة
عن الحب والحروب
وأسئلتك التي ما انتبهت إلى نوافذها الطويلة
قبل أن أرتطم صدفة بميشيل فوكو في الجامعة

في كل مرة أقرأ لوليد الشيخ، أتذكر الشاعر الإنجليزي بيرسي شيلي صاحب المرثية الجميلة في صديقه جون كيتس "سلاماً سلاماً، إنه لم يمت ولم يرقد...لكنه استيقظ من حلم الحياة". بيرسي الذي قضى غريقاً على شواطئ ايطاليا في مركب صغير، اجتمع أصدقاؤه حول جثمانه لتنفيذ وصيته بحرق جسده ليصير رماداً، فاحترق كل شئ، كل شئ صار رماداً، إلا قلبه الذي لم تمسسه النار ولم يتضرر أبداً ربما من فرط الحب والشعر الذي حملهما قلبه. هنا تماماً أجد وليد الشيخ حاضراً ولهذا السبب أيضاً أحبه.
 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: