مؤتمر إسطنبول: "حماس" تسعى للتحول إلى لاعب إقليمي

2017-03-20

بقلم: ايلي فوده   
في نهاية شباط 2017 عقد في اسطنبول مؤتمر هو الأول من نوعه، قام بتجميع وفود تابعة لمؤسسات المجتمع المدني ونشطاء سياسيين واجتماعيين من جميع أنحاء الشتات الفلسطيني، للنقاش حول مستقبل الشعب الفلسطيني. ومن اللافت ملاحظة أن مؤتمراً مهماً كهذا لم يجد أي اهتمام في وسائل الاعلام الإسرائيلية.
     جمود العملية السلمية بين اسرائيل وقيادة م.ت.ف، واستمرار الانقسام بين «فتح» و»حماس»، واليأس العميق في أوساط الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة، يجعلنا نشعر أننا في نهاية مرحلة، فالجيل المؤسس للحركة القومية الفلسطينية – الذي خلق الهوية التي ترتكز على النضال في الشتات وحاول إقامة دولة في أراضي 1967 كجزء من حل وسط تاريخي – شارف على انهاء دوره بدون نجاح بارز. ويمكن القول إن الصراعات الداخلية التي تميز الوضع السياسي في السلطة الفلسطينية ستمتد الى اماكن اخرى يتواجد فيها الفلسطينيون. على هذه الخلفية، فإن مؤتمر اسطنبول يعتبر ادارة ظهر الشتات الفلسطيني للدور التاريخي لـ م.ت.ف ومراكز القوة السياسية في مناطق السلطة الفلسطينية، التي وجدت نتيجة اتفاقيات اوسلو.
رغم محاولة الامتناع عن إعطاء هوية سياسية مؤسساتية، إلا أن هناك من بين منظمي المؤتمر، الذي مول من تبرعات رجال اعمال ويحظى بالدعم اللوجستي من بلدية اسطنبول، شخصيات قديمة مثل منير شفيق، رجل «فتح» سابقا، وكان من رواد التيار الاسلامي في الحركة والذي انتخب أمينا عاما للمؤتمر. والمثقف سلمان أبو ستة الذي انتخب رئيسا للمؤتمر.
اجتمع في القاعة 5 آلاف شخص معروفين بمعارضتهم لاتفاق اوسلو. هذا الرقم اللافت يؤكد على أن م.ت.ف لا تمثل أغلبية الشتات الفلسطيني. وكان الخط الناجع هو رفض «حل الدولتين» والمطالبة بحق العودة للاجئي 1948. وهذا الخط يناقض قرار 242 الذي تبنته م.ت.ف في العام 1988، ويناقض ايضا اتفاقيات اوسلو. وقد تحدث المشاركون عن الحاجة الى إحداث الاصلاح في م.ت.ف، وطلبوا إجراء انتخابات عامة لمؤسساتها من اجل تحويلها من جديد الى منظمة ناجعة تمثل ديمغرافياً وفكرياً جميع الشعب الفلسطيني. ولم يكن غريبا أن م.ت.ف كانت هي أول من عارض هذا المؤتمر، وزعمت أنه لا توجد صلاحية لأحد بأن يسير في خط سياسي قومي بديل. «حماس»، في المقابل، سارعت وباركت هذا المؤتمر وقراراته. فبالنسبة لها هذه فرصة لتعزيز مكانتها السياسية. فـ «حماس» تمثل الى درجة كبيرة روح المرحلة – اليأس والاقرار بالطريق المسدود الذي وصل اليه الفلسطينيون. وهي تسيطر بشكل مطلق على واقع الشبكات ووسائل الاعلام، الامر الذي يمكنها من نشر افكارها بسهولة، رغم أنها لا تحظى بإمكانيات ومصادر م.ت.ف الكثيرة. لهذا وهي تقوم بانتاج نقاش يشمل «عناصر لاسامية» الى جانب المطالبة الواضحة بالقضاء على اسرائيل وأسلمة المجتمع الفلسطيني.
صراع «حماس» ليس فقط في الساحة الفلسطينية، بل ايضا في الساحة الاقليمية، وهدفها هو التحول الى لاعب سياسي اقليمي. والطريق لتحقيق هذا الهدف يتم من خلال تقوية شرعيتها السياسية والسيطرة على النقاش الفلسطيني واجراء نقاش سياسي مع الدول العربية المعتدلة، اضافة الى بلورة استراتيجية حذرة في التعامل مع مصر، لمساعدتها على الحفاظ على سيطرتها في قطاع غزة. هذا ما يسعى اليه قادة الحركة، حيث تنضم «حماس» الى مؤسسات م.ت.ف ومن هناك يمكنها، مع مرور الوقت، قيادة الحركة القومية الفلسطينية.
تدرك قيادة «فتح» طموحات «حماس»، لكنها تنشغل الآن في معركة وراثة أبو مازن. صحيح أن الجمود التاريخي في مؤسسات م.ت.ف مكّن «فتح» من قيادة الحركة القومية الفلسطينية منذ التوقيع على اتفاقيات اوسلو، لكن المطالبة باجراء الانتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني من قبل مؤتمر الشتات المنعقد في اسطنبول، ونهوض الاسلام السياسي ورغبة «حماس» في أن تصبح لاعبا سياسيا، كل ذلك يضع تحديا كبيرا أمام «فتح» وم.ت.ف.
إن مؤتمر الشتات الفلسطيني يشكل اشارة تحذير مهمة في تاريخ الحركة الفلسطينية. فالشتات ليس فقط يدير ظهره للمؤسسة القديمة، بل يعزز بشكل غير مباشر مطالب «حماس» الايديولوجية. واسرائيل من ناحيتها لا يمكنها النظر برضى الى هذه التطورات، وعليها أن تعرف أن غياب العمل والطريق المسدود، هما في صالح الجهات «المتطرفة» في الساحة الفلسطينية: اذا كانت السلطة الفلسطينية برئاسة أبو مازن أو من سيخلفه لا يمكنها تقديم الفواتير للخط السياسي غير العنيف، فسيستبدلها «المتطرفون» في نهاية المطاف. ولن تستطيع اسرائيل القول في المستقبل إنها لم تعرف ولم تلاحظ، لذلك فان التقدم بمبادرة إسرائيلية، سواء أكانت إقليمية أو محلية، هو الامر المطلوب في الوقت الحالي.

 عن «هآرتس»

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


مساحة للحوار
د. فيحاء عبد الهادي
حكايات الطير والحلم المتجدد:...
دفاتر الأيام
عادل الأسطة
سميح القاسم: «باق في حيفا»
اقرأ المزيد ...