مؤتمر مؤسسة الدراسات الفلسطينية: الثقافة الفلسطينية إلى أين؟

2016-11-02

عقدت مؤسسة الدراسات الفلسطينية مؤتمرها السنوي الثامن في جامعة بير زيت / قاعة ملحق الحقوق، بعنوان "الثقافة الفلسطينية إلى أين؟" واستمر مدة ثلاثة أيام 28 - 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2016. جرى البحث والسجال في عناوين ثقافية متنوعة، إذ قدّم المشاركون والمشاركات من داخل فلسطين وخارجها 38 ورقة ومداخلة، جرى عرضها ونقاشها في حوار غني وحيوي لا يخلو من جرأة. حاولت الأوراق والمداخلات الإجابة عن سؤال الثقافة في الماضي والحاضر والمستقبل، وتوقف المشاركون والمشاركات والحضور عند عناصر القوة والضعف في الثقافة، اختلفوا واتفقوا وأجابوا عن أسئلة وطرحوا أسئلة أُخرى، وأكدوا استمرار الحوار والبحث والنقد والسؤال، واستمرار المقاومة على جبهة الثقافة التي لم تعرف الهدوء يوماً.
الافتتاح: أُلقيت الكلمات التالية: كلمة جامعة بير زيت / ألقتها رانية جبر نيابة عن رئيس الجامعة د. عبد اللطيف ابو حجلة؛ وكلمة وزير الثقافة إيهاب بسيسو؛ وكلمة شركة باديكو القابضة / سمير حليلة؛ وكلمة بنك فلسطين / ثائر حمايل نيابة عن المدير العام؛ وكلمة مؤسسة الدراسات الفلسطينية / سليم تماري. عبّرت الكلمات عن اهتمام المتحدثين بالثقافة وبدورها في مواجهة الأزمات وحرب الإقصاء الإسرائيلية، وجددت استعداد المتحدثين للشراكة والدعم، وأثنت كلمة مؤسسة الدراسات على جهود المشاركين والمتعاونين والداعمين الذي ساهموا في التحضير وفي عقد المؤتمر، وفي المشاركة أيضاً في المشاريع الثقافية المتعددة.
عشرة محاور: توزع البحث والنقاش على عشرة محاور أساسية وكانت على الشكل الآتي: ثقافة البقاء؛ بحثاً عن الرؤية؛ تيارات جديدة في الأدب؛ ثقافة البقاء والمشهد المعماري؛ الثقافة الفلسطينية بين مصادر التمويل والاستقلال؛ المثقف الفلسطيني والسلطة؛ الثقافة الشعبية بين الحفظ والتجديد؛ تيارات وقضايا في الفن الفلسطيني المعاصر ج1، ج1؛ السينما الفلسطينية بحثاً عن الحاضر في الماضي والماضي في الحاضر.
إضاءات
"همس الحرية وصرختها في ثقافة البقاء" عنوان "المداخلة الافتتاحية التي ألقاها رئيس تحرير مجلة الدراسات الفلسطينية الكاتب والروائي اللبناني الياس خوري، ودشّن بها المؤتمر، والتي تحدث فيها عن ثقافة البقاء في صراعها مع ثقافة الإقصاء، قائلاً:
- إن أحد معالم الكارثة الثقافية السياسية التي نواجهها اليوم تكمن في ابتذال الكلام من أجل محو الفوارق بين الجلاد والضحية تمهيداً لتحول الجلاد إلى ضحية وتحول الضحية إلى جلاد.
- محو ذاكرة وتأكيد أُخرى، ذاكرتان تقفان في حلبة صراع غير متكافئ. المحرقة النازية في الماضي بينما النكبة فعل متواصل في الحاضر. خلافاً لهذا الواقع فإن الإنكار والتحريم الإسرائيلي لذكرى النكبة هو محاولة لتحويل الحاضر إلى ماضٍ ومنع الذاكرة الفلسطينية من التذكر، وهنا يصل تغييب الفلسطيني إلى ذروته.
- مقاومة النكبة المستمرة بدأت عبر استعادة الاسم الفلسطيني من راشد حسين إلى محمود درويش ومن غسان كنفاني إلى سميرة عزام وجبرا إبراهيم وإميل حبيبي، استعادة مملوءة بالأسئلة ومحاولة إعادة إنتاج الذات الفلسطينية كفاعل تاريخي.
الأزمة الأخلاقية الإسرائيلية
قال خوري: عجزت الثقافة الإسرائيلية عن الاعتراف بالفلسطيني وقد تخلت الثقافة اليهودية عن إنجازها الأخلاقي في كونها ثقافة منفى، في مقابل انفتاح فلسطيني (جندي يحلم بالزنابق البيضاء، وريتا وعائد إلى حيفا). الانفتاح الأخلاقي تزامن مع تأسيس لغة الهوية الفلسطينية المتعددة والمفتوحة. الصراع في الثقافة كان في جوهره صراعاً أخلاقياً وليس فقط صراعاً على الأرض. ولهذا فإن مقاومة الثقافة للصهيونية، ليس دفاعاً مشروعاً عن النفس فقط، بل دفاع عن القيم الأخلاقية قيم الحرية والمساواة، فالثقافة والفكر والفن والأدب تستطيع أن تؤدي دور حارس القيم وتجعل من نفسها منصة لبناء وعي جديد. وأضاف خوري: فكرة فلسطين كما يقول إدوارد سعيد هي فكرة أخلاقية أولاً وأفقها كوني وإنساني والمقاومة التي تخوضها على كل المستويات هي أفق للتحرر والحرية. المقاومة صراع بين أخلاقين ولا خيار أمام الضحية سوى التفوق الأخلاقي.
واستفاض عادل مناع في شرح الأزمة الأخلاقية التي التصقت بالدولة "اليهودية" منذ نشوئها ولم تبرحها حتى اليوم، بل تعمقت مع استمرار فصول التطهير العرقي وواصلت ارتداء عباءة الضحية. ويرى أن الشعب الفلسطيني ربح التفوق الأخلاقي، لكن العالم لم يعترف بأنه ضحية ولا اعتراف بحقه في تقرير مصيره، في الوقت الذي احتل فيه اليهود مكانة الضحية بالنسبة إلى العالم وما ترتب على ذلك من اعتراف ودعم.
رائف زريق قدم النموذج اللاأخلاقي الإسرائيلي في مداخلته بشأن الصراع ما بين مدينة الناصرة التي عمرها أكثر من 2000 عام والمستعمرة نتسيريت عيليت. تحدث زريق عن خريطة تحولت إلى إسمنت من دون مدينة، ومدينة عريقة كالناصرة بقيت من دون خريطة، الهدف بناء مدينة مصطنعة تحول مدينة الناصرة إلى ضاحية. النتيجة فشل ذلك الهدف، بقيت المدينة المبتغاة خريطة وحلول بلا مشكلات، وبقيت مشكلات الناصرة المدينة بلا حلول وهو الإفلاس الأخلاقي بعينه.
الإفلاس الأخلاقي في الأدب
تجاهل الآخر جزء من الإقصاء كما جاء في مداخلة أنطوان شلحت الذي بدأ بقول محمود درويش: "قلائل جداً في المجتمع الإسرائيلي يعرفون أسماءنا وقضايانا". ثمة جهل إسرائيلي تام بالأدب العربي كامتداد لطمس الرواية الفلسطينية، ويقدم العربي في الرواية الإسرائيلية كشخص بلا ملامح، وبربري، وخطر أمني، ولا يملك التعبير عن آلامه، لتكون النتيجة إقصاء الفلسطيني ونزع الشرعية عنه، فيصبح المسّ بحقوقه أمراً طبيعياً. توقف شلحت عند نماذج من الأدب الإسرائيلي: عاموس عوز في روايته "قصة عن الحب والغرام" التي يقدم فيها الفلسطيني المسخ، الذي ينبهر في النظر ما بين الحمار الذي يجرّ محراثاً والجرار الحديث. يقتبس عوز قولاً لأحد المقاتلين جاء فيه: "اليهود ارتكبوا أخطاء ومستعدين للاعتراف بعكس العرب"؛ أما النموذج الآخر الذي يقدم الفلسطيني من منطلق أخلاقه ومن نماذجه الروائي تومر غاردي ورواية "حجر ورقة" الذي اكتشف أن متحف الكيبوتس "بيت أوسيشكين"، مبني كله من حجارة بيوت قرية هونين العربية التي دمرت سنة 1948. هذا العمل أقر بعملية المحو والإنكار للوجود الفلسطيني من قبل أغلبية إسرائيلية متغطرسة؛ وثم رواية "جدار حي" للكاتبة دوريت روبنيان التي تتعامل مع الفلسطيني خلافاً لصورته النمطية.
دور الثقافة وأدوار المثقفين
ديالكتيك الماضي والحاضر والمثقف المحتمل كما يراه فيصل دراج، تتعين الثقافة الفلسطينية، في الشروط الراهنة، عن طريق السلب، فلا فلسطين مع أهلها، ولا في وضع الشعب الفلسطيني اليوم ما يوّحد هويته، فهو موزع في منافٍ متعددة، ومقسم فوق أرضه المقسمة المحاصرة. للمثقف الفلسطيني اليوم، أسئلة ثلاث يتأملها وهي:
1. هل في المجتمع الفلسطيني اليوم ملامح من ثقافة التحرر التي يحتاجها؟ المقصود: تسيّس المجتمع، تحرّر المرأة والرجل، السلوك الأخلاقي النظيف كقيمة وطنية، التضامن المجتمعي، والوحدة الوطنية.
2. ما هي الثقافة المحتملة في "مجتمع" يواجه مجتمعاً آخر أكثر قوة؟ الجواب يرد إلى عنصرين "محاصرين" اليوم في المجتمع الفلسطيني. النظر الحديث إلى العالم، الذي يتخفف قدر ما استطاع من الأساطير والخزعبلات، ويبتعد، قدر ما استطاع، عن المراجع الضيقة التي تحتفي بها "المجتمعات المتخلفة"، مثل: العشائرية، والقبلية، والطوائف الدينية، والحمولة والعنصر الآخر هو: الارتقاء الأخلاقي، الذي يهتم بعنصريّ الزمن والإنتاج.
3. كيف يستفيد الفلسطينيون، الذين أنتجوا مثقفين كباراً، من اجتهادات المثقفين الذين رحلوا؟ أليس هناك ما نتعلمه من روحي الخالدي الذي قارن بين جديّة اليهودي و"تقليدية" الممارسة الفلسطينية؟ ماذا تبقى من غسان، الذين هجس بفلسفة الإنسان المتمرّد. المثقف الفلسطيني المحتمل اليوم هو الذي يتمسك بفكرة فلسطين انطلاقاً من "الزمن الفلسطيني". موقف جذري يتعامل مع كلية فلسطين وقضاياها الكلية، مراهناً على شيء ما، من دون أن يقع في الإيمانية، ذلك أنه يرصد ما يتكوّن، أو ما يمكن أن يتكوّن، من دون أن يتحدث عن النتائج، لأنه يعترف بالسيرورة الكفاحية، لا بالرغبات النهائية.
محمد علي الخالدي ركز على ترجمة ثقافة البقاء لأفعال ملموسة في مواجهة محاولات محو الهوية وبتر علاقتنا بالأرض. وفسر البقاء بالعلاقة العضوية مع الأرض والهوية الثقافية التي توحد مكونات الشعب في سائر أماكن وجوده. وأن المساهمة في البقاء واجب أخلاقي. ودعا إلى ترسيخ العلاقة بالأرض من خلال إعادة الاهتمام بالزراعة خلافاً للسياسة النيوليبرالية المعتمدة التي همّشت الزراعة. واعتبر حركة المقاطعة هي من أهم أشكال المقاومة، وربط البقاء بالمقاومة وبالأجيال الشابة، وضرورة إعادة توزيع الأعباء. ودعا أيضاً إلى ابتكار استراتيجيات جديدة لمقاومة الاحتلال والاستيطان.
ورأى جميل هلال في ورقته فاعلية ثقافية في مقابل بلادة سياسية أرجعها إلى انغلاق الأفق السياسي وتفكك حقوله. ودعا إلى حراسة الرواية التاريخية، وتعزيز التراث والجوهر الديمقراطي العلماني للثقافة الفلسطينية، وشدد على فصل الحقل السياسي والثقافي عن الدين، وقطع الطريق على الانتقال من الوطني الجامع إلى المحلي المتشرذم، ثم طالب بتحرير التعليم من الغزو الديني التعصبي.
أما خالد الحروب فقد رأى أن الهوية الفلسطينية تمحورت تاريخياً حول المقاومة، وكل من لم يدخل إلى المقاومة فَقَد توازنه ولم يتحول إلى اتجاه مركزي أو أساسي. واستعرض تحولات دور المثقف ومسؤوليته بدءاً بالمثقف الأيديولوجي الذي يدافع بعمْي وكأنه يدافع عن قبيلة، والمثقف الناقد الذي يكتشف وينقد الاختلالات الداخلية، وانحاز الحروب إلى ما سمّاه "المثقف القلق" الذي ينقد الوضع وينقد نفسه أيضاً.
جيوب ثقافية تقاوم المحو
توقفت همّت الزعبي عند معالم ثقافة البقاء وهي إعادة تشكل الجيوب الثقافية في المدن، فعلى الرغم من استمرار تهميش العرب في المدينة الإسرائيلية، ومحاولات أسرلتهم، إلا إن الأعوام الأخيرة تشهد نهضة ثقافية عربية فلسطينية في هذه المدن، قد تكون مؤشراً لتطوّر جيوب مدنيّة عربية فلسطينية داخل بعض المدن الإسرائيلية. يشهد المجتمع الفلسطيني المتشكّل في حيفا اليوم، بناء جيوب مدنية عربية مستقلة تقاوم محاولات المحو والسيطرة والتهميش.
عوامل عدة تساهم في تشكلها، منها: "استقلالية" اقتصادية عن المؤسسة الإسرائيلية عبر مؤسسات المجتمع المدني؛ ومحاولات مجموعات شبابية من داخل المدينة وخارجها، تعمل على بناء مساحات ثقافية عربية مدنيّة مستقلة، تقاوم من خلالها الهيمنة ومحاولات سيطرة المؤسسة الإسرائيلية، من ناحية، وتحدّي البنية الاجتماعية والسياسيّة التقليدية في المجتمع العربي الفلسطيني، من ناحية أُخرى.
الهوية التي تعيد صوغ ذاتها
أثار زكريا محمد موضوعاً له أكثر من قراءة، فهناك من يظن أن الهوية الفلسطينية كانت رداً على الغزوة الاستعمارية الصهيونية. أي أنها هوية حديثة جداً، وهذا غير صحيح. الهوية الفلسطينية موجودة قبل الغزوة الصهيونية بمئات الأعوام على الأقل، وما جرى هو أنها أعادت صوغ ذاتها كي تواجه الغزوة. مستنداً في ذلك إلى نص كُتب قبل ألف عام من الجغرافي المقدسي في كتاب: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم. الهوية الفلسطينية كغيرها من الهويات العربية حاولت إعادة بناء نفسها انطلاقاً من تطورات. فقد أزيح شعار "فلسطين للفلسطينيين" لمصلحة شعار "فلسطين جنوب سوريا". عدلت الهوية ذاتها كي تتمكن من الصمود عبر التكثر بغيرها عقب النكبة. فقد انشغلت الحركة الوطنية بتكثير نفسها عبر محيطها العربي، فانطبعت بطابع قومي عربي شديد، ثم انتقلت عبر حركة فتح إلى التكثير عبر الإفصاح عن الهوية الفلسطينية التكثّر بالذات. ثم أخذت تتشكل خلطة جديدة على أساس العنصر الديني، وقد واصل هذا الاتجاه صعوده مع الربيع العربي، فصارت الهوية دينية أساساً، وارتدت الحجاب إجمالاً. أي تكثّرنا بالمسلمين، بعد عدم نجاح التكثّر بالعرب.
الثقافة وأزمة التمويل
شغل تمويل الثقافة حيزاً مهماً من اهتمامات المؤتمر، وتوقفت بعض الأوراق عند واقع التمويل، تحدث مدير عام مؤسسة عبد المحسن القطان زياد خلف في مداخلته عن دور المؤسسات الحكومية الدولية ومعظمها ليس لديها برامج مختصة بدعم الثقافة، وأن تمويلَها للنشاطات والفعاليات الثقافية يأتي تحت إطار برامجها الأُخرى.
ثم إن قليل من الصناديق ومؤسسات عربية ودولية لديه برامج مختصة في تمويل الثقافة، وتوقف عند تجربة مؤسسة عبد المحسن القطان، وكشف عن مجمل إنفاقها منذ التأسيس سنة 1998، إذ بلغ نحو 63 مليون دولار، منها 14,7 مليون دولار من مصادر خارجية.
وتحدث عن شركات تدعم الثقافة، كبنك فلسطين، ومؤسسة مجموعة الاتصالات الفلسطينية، ومجموعة باديكو القابضة، والشركة العربية الفلسطينية للاستثمار، والوطنية موبايل، وشركة المشروبات الوطنية، ولكن ليس لديها برامج ثقافية، وأن الدعم غالباً ما يتسم بعدم الانتظام، ويكون للترويج لهذه الشركات، وللمساهمة في تسويق منتجاتها وخدماتها. واعتبر أن إسهام وزارة الثقافة في تمويل النشاط الثقافي هو الأقل، ولا تنظر السلطة إلى الثقافة كقطاع حيوي في عملية التنمية الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية.
ثم أشاد الرئيس التنفيذي لباديكو القابضة سمير حليلة بإسهام النتاج الفكري والثقافي الفلسطيني في الإبقاء على القضية الفلسطينية حية وحاضرة على الدوام في الوجدان الفلسطيني والعربي، وجعلها حاضرة بقوة على الساحة الدولية، وأن المسألة الثقافية ليست مجرد نشاط ترفيهي إبداعي أو ترف فكري، ولكنها مسألة وجود، ثم إن العمل الثقافي هو الذي يحافظ على الذاكرة الفلسطينية من التآكل والذوبان. وعندما قدم ترجمة عملية إلى هذا التقدير السليم قال إن باديكو القابضة، دعمت هذا المؤتمر، ودعمت تحديث كتاب "فلسطين في السينما" الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ودعمت صندوق الطالب في لبنان بقيمة 4.5 مليون دولار، ودعمت الرياضة، وقال إن الشركات الكبرى وزعت 17 مليون دولار بما يعادل 6% من الأرباح التي بلغت 278 مليون دولار سنة 2015. وغير ذلك الكثير من دعم الأنشطة الثقافية والفنية. وحرصت الشركة أيضاً على دعم واحتضان كل الأنشطة التي من شأنها الإسهام في التنوير الفكري. يلاحظ هنا أن الدعم يذهب لمصلحة الأنشطة ويعتمد على الطلب ولا يوجد وزن يذكر لدعم المشاريع.
وكان وزير الثقافة إيهاب بسيسو قد كشف في كلمة افتتاح المؤتمر أن الوزارة بصدد تأسيس صندوق وطني تشارك فيه كل الأطراف لدعم الثقافة الفلسطينية. وقد قوبل مشروع الصندوق بتأييد بعضهم، وبتحفظ بعضهم الآخر على إشراف وزارة الثقافة. يذكر أن اهتمام السلطة بالثقافة بقي على الهامش. وهذا ما تؤكده الموازنة الضئيلة المخصصة للثقافة في كل المراحل. إضافة إلى غياب المسؤولية في إقامة بنية تحتية شعبية ونخبوية للثقافة، ووضع منظومة قوانين، وبنية إدارية متخصصة لمتابعة تلك المهام بما في ذلك مجلس وطني مستقل للثقافة يتجاوز الجغرافيا السياسية ويكون بديلاً لوزارة الثقافة.
ساحات المواجهة بين المثقف والسلطة
يحدد عبد الرحيم الشيخ مناطق الاشتباك بين المثقف والسلطة، وهي الجغرافيات التي حافظت على نفسها ولم تنسحب من المشهد، وكانت كالتالي: المخيم الذي لم ينسحب من الواقع وظل يعبر عن بقاء فلسطين في المخيال على المستوى الثقافي والذي لا يوجد فيه سلطة لأحد وظل بيئة خصبة؛ المكان الثاني هو السجن الذي لا تزال الثقافة فيه حية تحارب النسيان والأسرى يعودون ويذكرون الناس لماذا أُسروا؛ والمقبرة الفلسطينية ثالثاً.
أوضح وليد أبو بكر في مداخلته أن المعارضة هي خيار المثقف، معارضة الاحتلال ومعارضة السلطة السياسية ومعارضة السلطة الثقافية. لكن المشكلة تكمن عندما يدافع المجتمع عن السلطة في مواجهة المثقف وعندما يتعرض المثقف المعارض للترهيب والبطش والاغتيال من قبل السلطة، أو يتعرض للاحتواء ولثقافة الإغراء التي استبدلت الاغتيال بشراء المثقف عبر إغراءات المال والجوائز والسفر.
رؤيتان للمتحف الوطني
فيما يخص المتحف الفلسطيني ذكر مدير عام المتحف محمود هواري، أن المتحف يسعى ليكون منبراً خلاقاً للتعريف بفلسطين تاريخاً ومجتمعاً وثقافة ولتوفير حاضنة للمشاريع الإبداعية والأبحاث المبتكرة وللتواصل مع تجمعات الشعب الفلسطيني داخل فلسطين والشتات من خلال أرشيفاته الرقمية ومنابره الإلكترونية وعبر إنشاء شبكة من الشراكات المحلية والعربية والعالمية.
لكن لارا الخالدي لها رؤية أُخرى تنطلق من وجود معضلة بناء المتاحف المعاصرة وكثرتها في فلسطين والعالم العربي. نظرياً، يقول غرويز أن المتحف الحداثي يكمن في بدايات اللوفر الذي افتتحته الثورة الفرنسية كإعلان موت النظام السابق عبر تأريخه وسلبه من وظيفته الأصلية كقصر والإشارة إلى أن هذا الترف وجمع الأعمال الفنية والتحف من قبل الطبقة الارستقراطية على حساب طبقة أُخرى قد انتهى وحوّل إلى متحف يضمن عدم رجوع ذلك النظام إلى الحياة. مثال آخر هو رغبة نظام بوتن في روسيا على إبقاء جثة لينين المحنطة معروضة للجمهور كأفضل طريقة لمحو وضمان عدم عودة المفكر اللينيني إلى الحياة المعاصرة في روسيا.
عبر هذا الإطار النظري، سألت لارا الخالدي هل هنالك صلة ما بين بناء المتاحف الفلسطينية في هذه الفترة والرغبة في إعلان انتهاء تاريخ الثورة الفلسطينية التي انتهت، ولكن المتحف يأتي كتتويج لهذه النهاية، وهنا يمكن النظر إلى متحف ياسر عرفات أيضاً. وتستخلص الخالدي بأن المتحف الفلسطيني سيظل خالياً من الأعمال والتحف حتى وإن امتلأ بها. وقد لاحظت أن المتحف الفلسطيني يوم الافتتاح لم يكن فارغاً، بل كان هنالك معروضات كثيرة، ولكن لم ينشر أحد ذلك بل كان النقاش دوماً في الصحافة وما بين الناس أن المتحف كان فارغاً، وهو حقاً كان فارغاً، فبالرجوع لغرويز، المتحف هو المكان الذي يعلن موت تاريخ معين.
نقاط ضعف في المشهد الثقافي
سلطت مديرة مركز يبوس الثقافي رانية الياس الأضواء على المشهد الثقافي في القدس، بين سيطرة الاحتلال الذي يضع مركز ثقله في المدينة، وبين ضعف وإهمال السلطة، يعيش المقدسيون شروطاً قاسية. يتمحور الصراع السياسي والثقافي على الإنسان المقدسي. ففي الوقت الذي تتوحش فيه ثقافة الاقتلاع المترافقة مع التهويد تغيب المرجعية الفلسطينية وتشح الأموال والإمكانات، يكفي المقارنة بين موازنتي بلدية الاحتلال وموازنة السلطة الفلسطينية لمعرفة الاختلال الخطير، فقد بلغت موازنة بلدية الاحتلال لعام واحد 5 مليار و156 مليون شيكل في العام 2016، بينما بلغت موازنة وزارة شؤون القدس 25 مليون شيكل يذهب أغلبية المبلغ لقضايا طارئة. وتتلاشى القدس من موازنة وزارة الثقافة. وتوقفت الياس عند مشكلات داخلية كالتعصب الديني وانتشار فكر تكفيري، وتضاؤل عدد المسيحيين، وعزوف الناس عن الفعاليات الثقافية لأسباب اجتماعية ودينية، والهجرة الفلسطينية من المدينة.
تحدث أباهر السقا عن الدور الثقافي التاريخي النشط لمدينة غزة في حقب سابقة في مجال الفن التشكيلي والسينما والمسرح والرقص والموسيقى والصالون السياسي، والذي جرى قطعه مع صعود الإسلام السياسي الذي شن حملة طالت كل عناصر المشهد الثقافي عنوانها أسلمة المجتمع. وقد استؤنفت العملية بعد الانقسام بإجراءات استبدال أسماء الشوارع ومنع الأنشطة الثقافية والتضييق عليها ومنع الاختلاط. وغرقت غزة بين الممنوع والمسموح الذي انحسر بموجبه المشهد الثقافي المخنوق بحصار إسرائيلي قل نظيره.
طرح مؤتمر "الثقافة الفلسطينية إلى أين؟" عناوين كثيرة، وأثار قضايا إشكالية، وعزز التواصل بين المشاركين. لكن إنجازه الأهم سيكون إذا ما نجح في متابعة إعمال العقل والنقد وتقديم الأفكار في كل القضايا الإشكالية.
تنويه: أُنجز هذا المؤتمر بدعم: مؤسسة هنرش بل الألمانية؛ وشركة بادكو القابضة؛ والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي في الكويت؛ وبشراكة بنك فلسطين ومجموعة الاتصالات الفلسطينية وصندوق الاستثمار الفلسطيني وجامعة بيرزيت ودار النمر للفن والثقافة.

 

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية:


آراء
د.عاطف أبو سيف
عن المخيم
آراء
عبد الغني سلامة
عن الطائفة السُــنيّة
دفاتر الأيام
غسان زقطان
احتجــاجــات غـــزة
اقرأ المزيد ...