فيلم "عمواس" لديمة أبو غوش .. حين يعيد أهل القرية المهجرة بناءها من جديد!

2016-06-04

كتب يوسف الشايب:
حققت المخرجة ديمة أبو غوش، حلماً يراودها منذ سنوات، بفيلم عن قريتها التي هجّرت منها في ذكرى يوم مولدها الثاني، ودون أن تتذكر والدتها اصطحاب حذائها الجديد. والدتها التي أهدتها أبو غوش الفيلم، وكانت من بين أهالي عمواس الحاضرين في قاعة الهلال الأحمر الفلسطيني بمدينة البيرة، مساء الأربعاء الماضي، والحاضرين في الفيلم، بل شكلت بالنسبة للمخرجة الراوي الأساس في فيلمها، الذي قام على فكرة إعادة بناء عمواس في نموذج هندسي يمثل كامل القرية، بالاعتماد على ذاكرة أهلها، وهو ما نجحت فيه أخيراً، وبمساهمة أساسية من كبار السن، ومن أبنائها الذين لا يعرفون عمواس، وباتوا الأكثر علماً بتفاصيلها، فكما نقلت لها والدتها الحكاية، نقلها أبو غوش لأولادها.
وكان التأثر بادياً على كل من شاهد الفيلم، الذي أطلق تحت رعاية وزارة الثقافة الفلسطينية، وبالشراكة مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني وهيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية، خاصة مع أحاديث الذكريات الممزوجة بالحسرة على «عمواس» التي كانت لنا، وباتت «كندا بارك»، التي نحتاج لتصاريح من محتليها لنصل إليها، وما تبقى من حجارة عمواس ورمّانها ومنزل هنا، ومقام هناك، وبطبيعة الحال دير اللطرون، الذي كان الأب لويز، الشاهد على تهجير أهالي عمواس، من بين الحاضرين في الفيلم والقاعة، والمتحدثين.
وقالت المخرجة ديمة أبو غوش في تقديمها للفيلم: هذا العمل المتواصل منذ سنوات ما كان ليتم دون دعم من المؤسسات كوزارة الثقافة وهيئة الإذاعة والتلفزيون، وجمعية عمواس الفرنسية، والأفراد: الأصدقاء، والعائلة، وبالطبع أهالي عمواس، وطاقم العمل في الفيلم، وبعضهم من كان متطوعاً بالكامل أو بشكل جزئي، وكذلك الفنانين التشكيليين الذين تبرعوا بلوحاتهم وأعمالهم الفنية التي رصد ريعها لدعم الفيلم، الذي هو بالنسبة لي حلم يتحقق.
وكانت بدأت فعاليات إطلاق فيلم عمواس، بكلمة لوزير الثقافة د. إيهاب بسيسو، قال فيها: بإطلاقنا لفيلم المخرجة ديمة أبو غوش حول «عمواس»، إنما نؤكد على ارتباطنا الوثيق بذاكرتنا الفلسطينية، وعلى ارتباطنا أيضاً بهويتنا الوطنية، والتي يحاول الاحتلال الإسرائيلي دوماً طمس هذه الذاكرة، تارة بتزييف التاريخ، وتارة بشطب ومسح القرى الفلسطينية.
وأضاف: عمواس، هذه القرية التي هجّر أهلها إبان حرب حزيران العام 1967، وحولتها حكومة الاحتلال الإسرائيلي إلى متنزه يطلق عليه اسم «كندا بارك»، على أراضي عمواس، ويالو، وبيت نوبا ... هذه المحاولات الإسرائيلية لن تثني مثقفينا، في كافة المجالات، عن ابتكار الجديد لإحياء الذاكرة الفلسطينية، والتاريخ الفلسطيني، فإن تحولت عمواس إلى «كندا بارك»، فإن هذه الحديقة شاهد على الجريمة التي ارتكبت بحق هذه القرية، وبحق شعبها.
وشدد بسيسو: عمواس رمز من رموز النكبة الثانية التي حلت بشعبنا الفلسطيني في العام 1967، وهي من خلال التوثيق الذي قامت به ديمة أبو غوش، إنما تؤكد مرة أخرى أن كل المحاولات الإسرائيلية لن تتمكن بأي شكل من محو هذه الذاكرة .. استعادة الذاكرة، استعادة التاريخ، استعادة الروح، استعادة الحياة جزء من صمودنا الوطني على أرضنا.
وقال وزير الثقافة: أذكر هذه القرية في الطريق إلى رام الله، ونحن نمر عبر وادي اللطرون، ونصطدم بما بات يطلق عليه اسم «كندا بارك» التي تشكل استثناء في المشهد الجغرافي، والمشهد التاريخي، والمشهد الجمعي لشعبنا.
وختم: إطلاق فيلم عمواس لديمة أبو غوش، وهي التي عكفت على مدار السنوات الماضية بجمع مادته التوثيقية والأرشيفية، وعملت بشكل مميز على توثيق استعادة الحياة في عمواس، يضيف سجلاً جديداً، وذاكرة جديدة إلى السجل الكبير لتاريخ شعبنا، وهذا يذكرنا ونحن على أبواب ذكرى النكسة، بما حل من شعبنا سواء في العام 1948 أو في العام 1967، وما لهذه الأحداث المأساوية من تداعيات على مسار القضية الوطنية في السنوات اللاحقة.
أما الأب لويز الذي لا يزال في دير اللطرون المبني على أرض عمواس، وساهم الكثير من أبناء عمواس في بنائه، فنبش في ذاكرته قائلاً: أشعر بتأثر شديد لوجودي في العرض الأول لهذا الفيلم عن عمواس .. وجودي شخصي لكني أمثل إخوتي وزملائي في دير اللطرون .. دخلت الدير العام 1951، وعشت سنوات طويلة مع أهالي عمواس، وأكلنا الخبز والزيت والزعتر مع بعضنا البعض، والكثير من وجوههم لا تزال محفورة في مخيلتي.
وأضاف: عندما وقعت النكسة العام 1967، كانت الدموع ترافقي على الدوام .. لم أتصور أنه في يوم وليلة يتغير كل شيء، وخاصة في محيط دير اللطرون الذي تأسس العام 1890 .. أقول دون مبالغة: إن أهالي عمواس هم من بنوا دير اللطرون .. حين وصلت إلى الدير لأول مرة كان نصفه مبنياً، وكنت شاهد عيان لمساهمتهم ليس فقط في إتمام البناء بل في حياتنا ووجودنا نحن من في داخل الدير، فلولاهم لما تمكنا من إتمام بناء الدير، وليس هذا فحسب، بل كافة الأمور المتعلقة بشؤونه.
وعرض الأب لويز صورة من أرشيف الدير لأسماء أهالي عمواس الذي كانوا يعملون في دير اللطرون يوم الإثنين الخامس من حزيران للعام 1967، وعددهم خمس وخمسون، وكان آخر يوم في عمر هذا السجل، مؤكداً اعتباره دير اللطرون امتداداً لعمواس .. وقال: عمواس لا تزال موجودة إلى يومنا هذا، فنحن نمثلها، ونعتز ونفتخر بذلك .. حتى اليوم، هناك من أهالي عمواس، وإن كانوا قلة، يعملون في الدير، وحين يزورنا أي من مهجري عمواس نشعر بسعادة كبيرة .. عمواس نحن، ونحن عمواس .. في الدير الآن، أنا وأبونا بولص الذي كان رئيس الدير لسبعة وعشرين عاماً من عاشوا نكسة حزيران .. هذا الفيلم مهم للحفاظ على عمواس في الذاكرة.
بدوره شدد نزار الغول، ممثلاً عن هيئة الإذاعة والتلفزيون، على أن تبني الهيئة للفيلم نابع من إيمانها لأهميته، كونه يحمل تعبيراً إبداعياً ورسالة نضالية مميزة، باستعادة الذاكرة في مواجهة آلة الاحتلال التدميرية، معبراً عن أمنياته وتوقعاته بأن ينافس فيلم «عمواس» في محافل سينمائية عربية وعالمية عدة.
من الجدير ذكره، أن عرض الفيلم يأتي بالتزامن مع ذكرى احتلال الأراضي الفلسطينية في العام 1967، ومن بينها عمواس، التي اختيرت من قبل شبيبة العربية للتغيير داخل الخط الأخضر، قبل أيام، لتكون قبلة قياداتها وكوادرها وأهالي عمواس ويالو وبيت نوبا المجاورتين، في الذكرى التاسعة والأربعين لـ»النكسة».

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: