أكثر من عشرين لوحة في «جاليري1» تحاكي مآسي المنطقة والعالم بأسلوب مغاير

بشار الحروب في معرضه «شاشة صامتة» .. حين تتلون الــمـأسـاة بالأمـل وتبـقى عيــون «الجثـاميـن» مفـتـوحـة !

2015-12-07


كتب يوسف الشايب:

يجمع الفنان بشار الحروب في معرضه الشخصي الجديد "شاشة صامتة" ما بين عدة متناقضات، تعكس بدورها التناقض الذي نعيشه ونعايشه منذ سنوات في المنطقة العربية، ومنذ أشهر وما قبلها عقود في فلسطين، فالمتجول في قاعات "جاليري 1" بمدينة رام الله، حيث المعرض، يصدمه لربما تلك الوجوه الشاحبة والأجساد الأقرب إلى الهياكل العظمية أو حتى الجثامين، ولو كانت جثامين مؤجلة الدفن، ولكن بعيون مفتوحة على آخرها، وشفاه تنبض فيها الحياة الحمراء، وألوان لا تعكس قتامة من يعيشون قلق الحروب، وخراباتها الكثيرة، على عكس التجارب العالمية في هذا الإطار، فألوان الحروب مشعة تبث في النفس شيئاً من أمل مفقود، وتعكس حالة تناقض نعيشها ويعيشها غيرنا في العالم، ما بين هم داخلي حد الفجيعة، ومحاولات للعيش، والبحث عن فرح ما في قومة قش.
واستطاع الحروب في لوحاته التي تجاوزت العشرين، أن ينقلنا إلى عوالم عدة، فكل لوحة هي عبارة عن نافذة مفتوحة على الكثير من التأويلات، فالشاشة قد تكون جداراً فاصلاً، أو نظاماً فاشياً، أو دكتاتورية قاتلة، أو حتى فكراً أصولياً أو آخر مغرقاً في التخلف، وربما في القدم أيضاً، وربما تفتح، ليس فقط بألوانها، نوافذ أخرى على الأمل، فالشاشة هنا قد تكون "شاشة" أو ضمادة الجرح النازف.
وهناك تنويع على الجرح والأمل في لوحات "شاشة صامتة"، فما يشبه الجثامين القادمة من الموت أو الذاهبة إليه في اللوحات الثلاث الأولى والتاسعة أيضاً، تبدو للوهلة الأولى ذات ملامح موحدة، وقد يكون ذلك صحيحاً إلى درجة ما، ولكن مع التدقيق أكثر فإن تعبيرات الوجوه تتفاوت كألوان بشراتهم غير المألوفة في مثل هذه المحاكاة للمآسي التي تحدث منذ سنوات في المنطقة، والتي هي ليست استنساخاً لتجارب فنانين كبار أبدعوا لوحات تحاكي الحروب والمعارك، إلا أن للوحات الفنان الحروب، ورغم صلاحيتها لتندرج في إطار الهم الإنساني الجمعي، فإنها تحمل ليس فقط رائحة فلسطين المنطقة، بل بصمته الخاصة كفنان.
أما اللوحة الخامسة، فيظهر فيها رجل الهيكل العظمي، إن جاز التعبير، بلون أكثر اصفراراً من شحوب الأربعة المحيطين فيه، يرتدي خوذة جندي تفتح باب التأويل مجدداً، ما إذا كان قادماً من حرب عالمية سابقة، أو أنه جندي في جيش الاحتلال الإسرائيلي، أو أي جيش غاز مهما كان، يحمل جنيناً أخضر اللون، يذكرنا بمن يطلق عليم اسم "الغرباء" (The Alienn)، كما ظهروا ولا يزالون بضيغ مختلفة في أفلام الخيال العلمي، دون إغفال ما للون الأخضر من دلالات عديدة، حسب علماء النفس، من أبرزها الطبيعة، والصداقة، والصحة، والنمو، والتجديد، في حين يرى آخرون أنه لون الحب والحياة، ولذلك أصبح اللون المفضل في غرف العمليات، ولازم العديد من غرف المشافي لسنوات طويلة، ولا يزال، بل إن جسر الانتحار في لندن (بلاك فرايار) تم تغيير لونه الأغبر القاتم إلى الأخضر، لعل نسب الانتحار من عليه تقل، وهذا ما كان بالفعل.
وهذا اللون (الأخضر) يتكرر في اللوحة العاشرة، حيث ينظر رجلان من رجال الهياكل العظمية إلى رجل أخضر أصغر منهما وأقصر، وكأنه المستقبل القادم الذي يحمل بصيصاً من أمل، وشيئاً من روح جديدة، لكن ذات الرجل الأخضر، وفي اللوحة رقم (11) يعيش حالة الرعب ذاتها التي يعيشها ذوو الألوان الأخرى من دجاج يبدو أنه هابط من السماك فاغر الفيه، لينقرهم، أو يؤذيهم كطائرات تحمل قنابل قاتلة تستعد لإلقائها على الأبرياء، في حمل الرجل الأخضر في اللوحة رقم (12) تفاحة على رأسه، وكأنه يحاكي الأساطير والروايات الدينية عن بداية الخلق، دون إغفال الرمزيات المتعددة للتفاحة.
ويسير الحروب في محاكاته الفنية هذه (الشاشة الصامتة)، ولا يسير في الوقت ذاته، على منوال فنانين تفاعلوا مع حروب عايشوا، أو عايشها أي من أقاربهم الأكبر سناً، وخاصة الآباء أو الأجداد من الجنسين، تعتبر من أوائلها، إذا ما استبعدنا لوحات ومنحونات الحضارات القديمة، لوحة بابلو أوشيلو "معركة سان رومانو" العام 1438، ولوحة دييجو فيلاثكيث "استسلام بريدا" العام 1634، في حين خرجت بعدها بأربعة أعوام لوحة بيتر بول روبينس "عواقب الحرب"، فيما برزت في العام 1770 لوحة بنيامين ويست "موت الجنرال وولف"، وهي من أوائل الإبداعات الأميركية عن الحرب، فما سبقها كان أوروبياً، في حين كان ثمة حضور لافت للوحة "ثورة القاهرة الأولى" لآن لويه جيروديه العام 1810، والتي تمجد الانتصارات النابوليونية، لتعارضها لوحة "الثالث من مايو" لفرانسيس جويا، ورسمت في ذات الفترة، ممجدة المقاومة الإسبانية لجيش نابوليون.
وفي القرن العشرين برزت عديد اللوحات في هذا الإطار، من أبرزها لوحة "سلسلة الحرب" لكاثي كولويتز العام 1923، والتي تحمل رسالة مضمونها إن الحرب لا تؤذي فقط من هم في الميدان، وبطبيعة الحال لوحة "الجرنيكا" لبابلو بيكاسو في العام 1937، والتي باتت اللوحة الأشهر عن الحرب، عبر تكوينات الامرأة بلا ذراع، والرجل مقطع الأوصال، والحصان المطعون، وغيرها، في محاكاة مدهشة للحرب الأهلية الإسبانية.
وبرزت منذ ستينيات القرن الماضي، ما عرف بطريقة "البوب" في الرسم، على أيدي فنانين من أميركا وأوروبا، كانت مدتها الخصبة قادمة من الحرب الأميركية الفيتنامية، أو الغزو الأميركي لفيتنام، وهي الطريقة التي رسم فيها الحروب لوحاته، ولكن بأدوات متطورة، وبذائقة خاصة تعبر عن تجربته المغايرة والمتميزة فلسطينياً، وحتى على الصعيدين العربي والعالمي، وكان من أبرز لوحات "البوب" التي تحاكي الحروب في الستينيات، لوحة "واام" لروي ليختنشتاين في العام 1963.
وفي دردشة خلال التجوال في المعرض، أكد الحروب لـ"الأيام"، أنه لا انفصال تام ما بين لوحات معرضه "شاشة صامتة"، وبين الظروف التي نعيشها هذه الأيام في فلسطين، ومنذ سنوات في المنطقة العربية، فالموت المباشر الذي يحيط بنا يزجنا إلى حيث تناقض البؤس، فقد يكون المشهد الخارجي للكثير منا يبدو طبيعيا، وربما مرحاً كألوان لوحات المعرض، لكنهم من الداخل بائسون ... عمل فني كهذا لا يصور الواقع بشكل مباشر، بقادر ما يحاكي مشاعر القلق والخوف وربما الرعب لمن يعايش ويعيش هذا الواقع، أي الإنسان، وأيضاً حالة الترقب لما هو قادم، خاصة في فلسطين والمنطقة العربية، حيث تكثفت حالة اللاأمان، واللايقين، مع استحضار التاريخي الإنساني، وتعاطي الفنانين مع مثل هذه الظروف، لكن بسياق معاصر، وبألوان مغاير، "صحيح أن الشخصوص بائسة، لكن ألوانهم تحمل شيئاً من الأمل".

التعليقات


الاسم:
البريد الالكتروني:
نص التعليق:
رمز الحماية: